الصورة العقلية شكلا ما وعددا ما ولم يقل فيكون لها شكل ما ومقدار ما فان المقدار والعدد لا يمنع عن الصورة البسيطة كما لا يمنع عن الصورة العقلية التي توجد في نفوس عدة وكل واحدة منها في كل واحدة منها غير الأخرى بالعدد وكما لم يمتنع ان يكون لها عدد كذلك لا يمتنع ان يكون لها مقدار بل هو كما قيل مما لا يتصور الذهن رفعه عن شئ يتصوره وعلى أنه ليس يلزم منه هاهنا سوى القسمة الفرضية كما قيل فقولهم إن ما لا ينقسم لا يحل في قابل الانقسام وقابل الانقسام لا تحل صورته فيما لا ينقسم حتى منعوا بذلك من كون مدرك الصورة المعقولة فينا هو مدرك المحسوسات لا يتم به ما قصدوه لكون القسمة فيه لفظا مشتركا بين الفرضي والوجودي . والذي يمتنع هو الذي بالفعل والذي قصدوه هو الذي بالفرض ولا يمتنع فيما لا ينقسم بالفعل ان تلقى ذاته ذات المنقسم بالفعل ولا ينقسم بانقسامه بالفعل ولا تتحرك اجزاؤه إلى التفرق مع اجزائه كما تمثلنا عليه بجسم في شعاع الشمس إذا قسم الجسم وفرقت اجزاؤه فان النور لا ينقسم بالفعل بقسمتها ولا يتفرق بتفرقها إذ لم يتحرك معها ولا إليها بل هي تتحرك اليه وتتفرق عنه وهو واحد لا يتفرق . وقوله ليس يمكن ان يقال إن كل واحد من الجزءين هو بعينه الكل في المعنى لان الثاني ان كان غير داخل في معنى الكل فيجب ان يضع في الابتداء معنى الكل هذا الواحد لا كلاهما وان كان داخلا في معنى الكل فمن البين ان الواحد منهما ليس يدل على نفس معنى التمام .
جوابه ما قيل في التمثيل بقسمة المتشابه الاجزاء كقطعة الذهب فان الأول من الجزءين مثل الثاني في المعنى لا في المقدار فهما جز آن لكل شبيهان به في المعنى ليس معقول أحدهما غير معقول كليهما الا في المقدار كما قيل مثله في العدد ونحن إذا اعرضنا عن هذه الحجج ومناقضاتها ورجعنا إلى ما نشعر به من نفوسنا وهو أبين وأثبت عندنا علمنا أن مدرك الصورة العقلية والحسية . وبالجملة مدرك الموجودات في الأعيان والمتصورات في الأذهان فينا واحد هو ذات الانسان كما يشعر به كل واحد منا من ذاته انه هو الذي ابصر وسمع وعرف وتصور
الكتاب المعتبر في الحكمة — صفحة 403
مساهمون: ابو البركات
ص٤٠٣