في سائر الأعضاء الحاسة مع ما لها من القوى الحاصة بها كالعين واللسان فان هذه لها لمس مع الابصار والذوق ففيها قوة لامسة مع القوة الباصرة والذائقة وما قالوا كذلك في هذه بل قالوا إن المبصر السامع الشام الذائق اللامس فيها قوة واحدة سموها الحس المشترك وقولنا في ذلك كقولنا في الادراك البصري الذي كان يمتنع فيه ارتسام الاشكال من دوات المقادير العظيمة على مقاديرها فكيف ترتسم في هذا الجزء الصغير ألوف من هذه المقادير وكيف تنتقش فيه بلدة على قدرها وجبل على عظمه ولما استحال هذا في العين في شكل شكل مما تراه العين شيئا بعد شئ فهو بالاستحالة هاهنا أولى في المدركات الكثيرة معا فكيف وتجتمع فيه أصناف المدركات من الألوان والاشكال والحرارة والبرودة والصلابة واللين وأصناف الطعوم والأراييح وينتقل في اقصر زمان من ادراك شئ إلى ادراك ضده فإذا كان ادراكه بحصول هذه الكيفيات فيه والحار هو الذي فيه الحرارة والبارد هو الذي فيه البرودة والصلب هو الذي فيه الصلابة وغير ذلك منها فهذا الروح يصلب كالصخرة ويلين كالهواء ويرطب كالماء ويجف كالأرض ويسخن كالنار ويبرد كالثلج في اقصر زمان وكذلك تكون فيه حلاوة العسل ومرارة الصبر فينتقل إلى هذه الأحوال من ضد إلى ضد في غير زمان وهم بأجمعهم يقولون إن هذا الروح انما صار محلا لهذه القوة وآلة لهذه الأفعال بمزاج اختص به كغيره من الأعضاء والأرواح التي إذا فسد مزاجها بطلت آليتها وقوتها التي تفعل بها لكنهم ربما قالوا إن هذه الكيفيات والآثار المدركة من هذا القبيل ليست مثل أمثالها للوجودة في الأعيان حتى يلزم كما قلتم ان تستحيل نارا بالحرارة وثلجا بالبرودة عند ادراك الحرارة والبرودة وانما هي أشباح تلك وآثار متأدية عنها يكون الأثر اليسير الحاصل منها في الروح لقربه من القوة المدركة كالكيفية التي في الأعيان بل في غاية الشدة والقوة بالقياس إليها فان الشديد من الحرارة إذا أدرك من بعيد لا يبلغ من المدرك مبلغ الحار الضعيف إذا كان قريبا فكيف إذا استقرّ حاصلا عند القوة في محلها حتى يكون
الكتاب المعتبر في الحكمة — صفحة 341
مساهمون: ابو البركات
ص٣٤١