تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكتاب المعتبر في الحكمة — صفحة 320

مساهمون:

ص٣٢٠
وتقسيمه على الأعضاء وغير ذلك من هذه الأفعال التي لا يشعر بها فان الغذاء ينهضم في المعدة ويستحيل ولا يشعر بهضمه واستحالته ومما ذا بدأ وإلى ما ذا انتهى وكذلك إذا نفذ في الأعضاء متحركا لا يشعر بحركته في توزعه عليها وكيفية توزعه ولا يعرف ما يصلح من ذلك ولا يصلح ويوافق ولا يوافق قبل ذلك ولا بعده ومن يفعل مثل هذه الأفعال على هذه الصورة والنظام وبهذا الاحكام ويسوقها إلى هذه الغاية والتمام يكون له بها علم سابق بالصورة التي يعمل عليها والغاية التي يسوق إليها فتقتضى هذه الافكار أن يظن الانسان ان متولى هذه الأفعال في بدنه غير نفسه التي يشعر بها على أنها ذاته وهويته ويعرض في ذلك شك أيضا من جهة ان الانسان إذا اشتدت حاجته في هذه الأفعال إلى استغراق وسع الفاعل في حاله يحوجه اليه من امر معضل يطرأ عليه كغذاء كثير أو بعيد المشابهة عسر الاستحالة والهضم أو مادة مؤذية مضادة لمزاج بدنه بكيفيتها مثقلة لقوته بكميتها يجد نفسه التي يشعر بها حينئذ مقصرة مشغولة عن الافعال الادراكية والاختيارات الإرادية غريقة ذاهلة كالمريض الذي يستولى عليه فاسد الاخلاط بردى الكيفيات فيحتاج إلى استغراق شغل مدبره فيها لدفع ضررها أو إلى الاستعانة بما له ان يستعين به عليها من الأدوية التي يقاومها بها فيراه ذاهلا عن افعاله الإرادية غائبا عن معرفته وحسه كأنه غير حاضر فيهما وعندهما وكلما ازدادت غيبته عن حسه ورويته ظهر تأثير فعله في بدنه فان المريض في ليلة بحرانه يشتد هائج مرضه فتبطل أو تضعف ادراكاته الحسية وافعاله الإرادية كأنه نام عنها ثم يعود إذا أفاق تعبا مكدودا كمن كابد امرا عظيما ويظهر في بدنه من اثر بحرانه حالة تدل على فعل قاوم المرض وكسر عاديته ودفع شره واذيته في ذلك الزمان الذي غابت فيه النفس عن الحواس وارادى الافعال حتى ظهر ذلك التأثير من فعلها فكأنها تركت فعلا لفعل واشتغلت بشأن عن شان وكذلك الحال في كل نائم ويقظان فيما يتوفر في نومه على افعاله الطبيعية وفي يقظته على الحسية والإرادية فترى هذه الانظار والافكار ان النفس المريدة المروّية العارفة العالمة في الانسان
الكتاب المعتبر في الحكمة — صفحة 320 | ابو البركات