بذلك ان للبياض نفسا هي غيره وما من أحد يعتقد انه شئ ونفسه شئ آخر فإنه إذا قال تألمت نفسي ليس يعتقد ان المتألم آخر إذا راجع فكره أدنى مراجعة وحقق تصور ما يقوله حتى يفرق بين اختلاف اللفظ واختلاف المعنى ولا يتوهم الأسماء في ترادفها كالمتباينة في معانيها باشتراكها في اختلاف المسموع فهذا هو المفهوم الحقيقي من قول الناس في مفاوضاتهم من لفظ النفس فان قيلت هذه اللفظة على المفهومين الأولين فإنما تقال لصدق حمل كل منهما على هذا المفهوم بحجة وبيان فان الانسان حين يفهم من لفظ النفس هذا المعنى قد يكون بحيث لا يعلم هل النفس هي البدن كله أو جزء من اجزائه الباطنة أو الظاهرة يخالفه لطبعه أو عرض في البدن أو هل هي جوهر غير جسماني بل أكثرهم يدل بهذه اللفظة ويستعملها في مفاوضته دالة على مفهوم بعينه وهو حينئذ لا ينظر ولا يتفكر في شئ من ذلك فحقيق ان يكون هذا هو المفهوم الأول من هذه اللفظة اعني لفظة النفس وهي بحسب هذا المفهوم عند كل متلفظ بهذا اللفظ بينة الوجود فليس أحد من الناس محتاجا في اثبات وجود نفسه إلى حجة فمن هو الذي يشك في انه موجود حتى يبين له ذلك بحجة وكيف لا ولا شئ عند أحد من الناس أبين من ذلك اعني أبين من وجود ذاته وكذلك ليس يحتاج ان يبين له ان لغيره من الناس نفسا اى ذاتا هي هويته وانيته وان احتاج ان يبين له ما ذاته ونفسه الموجودة وما ذات غيره فعلى هذا لا يحتاج ان يدل ويحتج الا ان هذا يخص النفوس الناطقة للناطقين دون غيرهم ممن لا يشعر بذاته وبشعوره بذاته من الحيوان والنبات .
وقد كان القدماء سموا القوى النباتية والحيوانية بأسرها نفوسا لكنا إذا قسنا على علمنا شعرنا من أحوال الحيوان والنبات بمثل ما شعرنا من أحوالنا من جهة ان في تلك الأجسام أشياء هي الأصول في وحدتها باتصال اجزائها بعضها ببعض وبقائها بمددها وغذائها ونموها وشكلها وباقي افعالها وذلك الأصل هو النفس والجسد وما فيه تابع من حيث هو كذلك لها .
الكتاب المعتبر في الحكمة — صفحة 301
مساهمون: ابو البركات
ص٣٠١