وفي إلهيات نجاته في الفصل المعقود لبيان أنّه - تعالى - كيف يعلم ذاته « 1 » : « فإن منع مانع أن يسمّي هذا معرفة للجزئي من جهة كلّية فلا مناقشة معه « 2 » ؛ لأنّ غرضنا الآن في غير ذلك ، وهو في تعريفنا انّ الأمور الجزئية كيف تعلم وتدرك علما وإدراكا يتغيّر معهما العالم ؟ وكيف تعلم وتدرك علما وإدراكا لا يتغيّر معه « 3 » العالم ؟ » « 4 » هذا كلامه ؛ ونظائره في كلام رؤساء هذه الصناعة أكثر من أن يحصى .
وإذا تقرّر هذا فنقول : إنّ الإشكال ب « لزوم أن يكون علمه - تعالى قدسه - زمانيا حيث إنّ الموجودات الزمانية علم حضوري له وبلزوم أن يكون رئيس الصناعة نافيا لعلمه بالجزئيات له ، هل هو إلّا كفر صريح ؟ » محسوم :
أمّا أوّلا : فلأنّ الزمانية لتلك الموجودات بحسب وجودها في أنفسها لا ينافي عدمها بحسب وجودها لجاعلها ، بل علمه بها عينه - جلّ وعلا - إن نظرت تارة أخرى .
وأمّا الثاني : فلأنّ المعنيّ من نفي علمه بالجزئيات نفي علمه الزماني بها مع أنّه لا يعزب عنه شيء من الذرّات ، سواء قلنا انّ علمه بها من تلقاء العلم بذاته أو علمه بها بحسب وجودها لديها بالذات والمثول بين يديها .
فإن قلت : إنّ هاهنا إشكالا عويصا وهو انّ العلم الإجمالي بالشيء عين العلم التفصيلي به ومن المستبين أنّه - تعالى - علم إجمالي بجميع الذرّات من الممكنات بنفس ذاته الحقّة القدّوسية ، ووجود تلك الذرّات علم تفصيلي له بمراتبها من القلم واللوح وكتاب المحو والإثبات والنظام الجملي ؛ فيلزم منه أن يكون نور الأنوار - تعالى قدسه - عين الظلمات والحقّ المطلق عين الباطلات ، تعالى عن ذلك علوّا كبيرا .
وأيضا : انّ العلم لمّا كان عين المعلوم فإذا كان تعالى - جلّ وعلا - علما إجماليا بما سواه يلزم أن يكون هو عينها ، تعالى عن ذلك .
هامش
( 1 ) . هذه العبارات توجد في الفصل المعقود لبيان أنّ واجب الوجود كيف يعقل الأشياء ، لا في الفصل الذي ادّعاه الشارح .
( 2 ) . ق وح : - معه .
( 3 ) . ق وح : معها .
( 4 ) . النجاة ، ص 597 .