السؤال الأول : لا نسلم أن الأجسام متساوية في الجسمية . وقد سبق تقرير هذا الكلام .
السؤال الثاني : ان التقسيم المذكور غير منحصر . وذلك أن مذهبكم :
أن الجسمية حالة في محل هيولاها . وإذا عرفت هذا فنقول : التقسيم الصحيح أن يقال : مبدأ هذه الآثار : أما الجسمية ، أو ما يكون حالا فيها ، أو ما يكون محلا لها ، أو ما لا يكون حالا فيها ولا محلا لها . وأنتم تركتم ذكر ما يكون محلا للجسمية .
والذي يدل على أن هذا التقسيم واجب الذكر : هو أن الفلاسفة ذكروا : أن كل فلك فإنه واجب الاتصاف بمقداره المعين وشكله المعين ووضعه المعين وصفته المعينة ولا يقبل الخرق والالتئام والتغير والانهدام . فقيل لهم : لو وجب اتصاف ذلك الفلك بتلك الأعراض المعينة لكان ذلك اما لجسميته أو لصفة حالة في جسميته ، أو لا لهذين القسمين . لا يجوز أن يكون لجسميته لأن الجسمية معنى واحد . وهذه الأحوال غير واحدة في الأجسام ، ولا يجوز أن يكون لصفة قائمة به ، لان تلك الصفة ان كانت واجبة عاد التقسيم في كيفية وجوبها . ولزم التسلسل . وان كانت جائزة الزوال ، امتنع أن تكون الصفة الجائزة الزوال ، علة لحصول أمر ممتنع الزوال . ولما بطلت الأقسام بأسرها ، ثبت أن القول بوجوب اتصاف كل تلك بقدره المعين ، وصفته المعينة باطل .
وعند هذا قالت الفلاسفة : لم لا يجوز أن يقال : ان هيولى كل فلك مخالف بالماهية لهيولي سائر الأفلاك ، ثم إن تلك الهيولى اقتضت لذاتها حصول الجسمية وحصول هذا القدر المعين والوضع المعين ، فحصل بين جسمية ذلك الفلك وبين مقداره المعين وشكله المعين ملازمة بهذا الطريق ؟
وإذا عرفت هذا فنقول : لم يلزم من كون الفلك غير قابل للأشكال المعينة ، اثبات صورة نوعية فيه ، لاحتمال أن يكون ذلك الحكم انما ثبت لأجل تلك الهيولى المخصوصة . وأيضا : فيجوز أن يكون حر النار ويبسها ، لأجل هيولاها المخصوصة . فان قالوا : هيولى جميع العناصر واحدة .
وذلك يمنع من أن تكون كيفيتها معللة بهيولاها . نقول : القول بأن هيولاها
شرح عيون الحكمة — صفحة 36
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٣٦