ثم إن القائلين بهذا اعتبروا هذه المقدمة طردا وعكسا .
أما الطرد فهو أنهم قالوا : لا شك أن نفس الانسان موصوفة بالعلوم والأخلاق ، وقد ثبت أن كل ما كان محلا لغيره ، كان جسما مختصا بالحيز .
فالنفس جسم . وأيضا : إذا ثبت أنه سبحانه موصوف بصفات الجلال وكل موصوف بصفة فهو جسم ومختص بحيز ، ينتج : أنه سبحانه كذلك .
وأما العكس فهو أن نفاة الصفات قالوا : ثبت أن ذاته سبحانه منزهة عن الوضع والحيز . وكل ما كان كذلك ، امتنع كونه موصوفا بشيء من الصفات ، ينتج : أنه سبحانه غير موصوف بشيء من الصفات .
فهذا تقرير هذا الكلام .
واعلم : أن تفسير الحلول بما ذكروه باطل . ويدل عليه وجوه :
الأول : ان كون الجسم حاصلا في الحيز صفة من صفات الجسم .
فلو كان الحلول مفسرا بما ذكروه ، لكان معناه : أن حصول ذلك الجسم في ذلك الحيز ، تبعا لحصول محله فيه . وذلك محال ، لأنه يوجب التسلسل .
الثاني : ان بديهة العقول حاكمة بأن الثلاثة فرد ، والأربعة زوج وبديهة العقل حاكمة بأن كون الثلاثة ثلاثة ، وكون الأربعة أربعة .
ليس له وضع وحيز ، حتى نقيس « 14 » كونها موصوفة بالفردية والزوجية بذلك .
الثالث : ان ذات الاله موصوف بالصفات « 15 » الإضافية بالاتفاق .
وهذا القدر يكفى في أبطال قولهم .
الرابع : ان الأجسام قد تكون موصوفة بالإضافات . مثل وصف الانسان بالأبوة والبنوة . ولا يقال : معنى كون الجسم موصوفا بهذه الإضافات ، هو أن الإضافة حاصلة في هذا الحيز ، تبعا لحصول محلها فيه . فثبت : أن هذا التفسير الذي ذكروه باطل .
هامش
( 14 ) نفس : ص .
( 15 ) بصفات : ص .