المقدار الذي يحصل فيه جسم العالم . وأما الخارج عنه ، فلا خلاء ولا ملاء ؟ وعند هذا لا يمكنكم أن تقولوا : لم حصل العالم في هذا الجزء من الخلاء دون سائر الأجزاء ؟
المقدمة الثانية : هب أنا نقول : الخلاء لا نهاية له . لكن لم قلتم : ان ذلك الخلاء متشابه الأجزاء ؟ وهذه المقدمة لا بد عليها من دليل وحجة .
وذلك لأن الخلاء موجود ويمكن فرض الأبعاد الثلاثة فيه .
فتحصل ( أن ) هناك أمور ثلاثة .
أحدها : الأبعاد المفروضة في ذلك الخلاء .
وثانيها : كون الخلاء قابلا لتلك الأبعاد .
وثالثها : ذات الخلاء . وهو ( أن ) الأمر الذي عرضت له قابلية ذات الخلاء لتلك الأبعاد . هو أيضا ( من ) أمور عارضة لتلك الذات ، لأن قابلية الشئ للشئ : نسبة بين ذات القابل وذات المقبول . والنسبة بين الشيئين : مغايرة لهما ، ومتأخرة عنهما .
فثبت : أن قابلية الأبعاد : مغايرة للذات التي عرضت لها هذه القابلية .
وإذا ثبت هذا فنقول : هب أن أجزاء الخلاء متساوية في هذه الأبعاد ، وفي قابليتها لهذه الأبعاد . لكن لم قلتم : ان تلك الأشياء التي هي الأمور المفروضة لهذه القابلية متساوية في تمام الماهية ؟ فان هذه المقدمة غير بديهية ، بل لا بد في تقريرها وتصحيحها من الحجة والبرهان . والقوم ما ذكروا في هذا الباب خيالا ، فضلا عن الحجة والبرهان .
المقدمة الثالثة : هب أنا قلنا : ان أجزاء الخلاء متساوية في تمام الماهية ، لكن لا يجوز أن يقال : الفاعل المختار خصص تحصل العالم في بعض أجزاء الخلاء دون البعض بمجرد ارادته . وحينئذ يرجع هذا الكلام إلى أنه هل يعقل ( أن يكون ) موجودا مؤثرا بالقصد والاختيار ، بحيث يرجع أحد طرفي الممكن على الآخر ؟
شرح عيون الحكمة — صفحة 91
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٩١