وهذا الزوال ليس على سبيل توالى الآنات المتعاقبة ، بل لا بد وأن يكون على سبيل الاتصال المستمر . ولا معنى للحركة الا ذلك . فانا بينا في أول الكتاب : أن الحركة عبارة عن تبدل يحدث على سبيل التدريج والاستمرار .
فثبت : أن الزمان متعلق الحركة .
ولقائل أن يقول : أما قولكم : أن تعاقب القبليات والبعديات يقتضى وقوع التغير والحركة في الشئ المحكوم عليه بالقبلية والمعية والبعدية .
فنقول : هذا باطل . فان بديهة العقل حاكمة بأن إله العالم كان موجودا قبل حدوث هذا الحادث اليومى ، وأنه الآن موجود معه ، وأنه سيبقى بعده .
فان ( كان ) تعاقب القبلية والمعية والبعدية ، يوجب وقوع التغير في ذات ذلك الشئ المحكوم عليه بهذه الأحوال ، لزم وقوع التغير في ذات واجب الوجود . وذلك لا يقوله عاقل . ولئن قلتم : لولا وقوع هذا التغير في هذه الحالات ، والا امتنع وصف اللّه تعالى بالقبلية والمعية والبعدية .
نقول : قد جوزتم أن يكون الشئ محكوما عليه بالقبلية والمعية والبعدية بسبب وقوع التغير في شئ آخر ، فلم لا يجوز أن يكون الزمان كذلك ؟
وهذا هو قول « الامام أفلاطون » فإنه كان يقول : المدة لم يقع فيها شئ من الحركات . والتغييرات لم يحصل فيها الا الدوام والاستمرار ، وذلك هو المسمى بالدهر والسرمد . وأما ان حصلت فيه الحركات والتغيرات ، فحينئذ يعرض لها قبليات قبل بعديات ، وبعديات بعد قبليات ، لا لأجل وقوع التغير في كمال المدة والزمان بل لأجل وقوع التغير في تلك الأشياء .
ثم نقول : هاهنا دلائل أقوى مما ذكرتم تدل على أن الزمان يمتنع أن يكون مقدار الحركة :
الحجة الأولى : أن نقول : انا إذا قلنا : ان الزمان مقدار الحركة .
فلا معنى لهذا الكلام الا أن الزمان مقدار دوام الحركة ، لكن من المعلوم أن دوام الحركة لا وجود له في الأعيان . فمقدار هذا الدوام الذي هو صفة لهذا الدوام ونعت له ، أولى أن يكون له وجود في الأعيان .
شرح عيون الحكمة — صفحة 127
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٢٧