الثالث : ان الأشياء المشتركة في القبلية والبعدية لا تكون مختلفة في الماهية ، والأشياء المختلفة في القبلية قد تكون مشتركة في الماهية فالمفهوم من القبلية والبعدية : أمور مغايرة لماهيات تلك الحقائق .
الرابع : أن كون الشئ قبل ذلك الشئ أمر مقول بالقياس إلى غيره وذاته المخصوصة . وهي أنه انسان أو حركة أو سكون غير مقول بالقياس إلى غيره .
الخامس : انا إذا قلنا : هذا الانسان قبل ذلك الانسان ، حكم صريح العقل بأن هذا الكلام قضية ، موضوعها : قولنا : هذا الانسان .
ومحمولها : قولنا : قبل ذلك الانسان . وحكم صريح عقلنا : بأن موضوع هذه القضية مغاير لمحمولها .
فثبت : أن كون الشئ قبل غيره وبعد غيره أو مع غيره : أمور زائدة على الذاتين اللتين حكمنا عليهما بهذه القبلية والبعدية .
ثم نقول : هذه المفهومات اما أن تكون أمورا عدمية أو وجودية .
والأول باطل . لأن العدم من حيث إنه عدم طبيعة واحدة . وهذه المفهومات أمور مختلفة ، فوجب أن تكون أمورا وجودية . فنقول : هذه القبليات والمعيات والبعديات أمور زائدة على الذوات موجودة . وظاهر أنها ليست أمورا مستقلة بأنفسها مستبدة بذواتها ، بل هي نسب وإضافات . ولا بد لها من أمور تكون هذه القبليات والبعديات والمعيات عارضة لها .
ثم نقول : هذا الشئ الذي هو معروض هذه القبليات والمعيات والبعديات ، قد يكون معروضه لها بالذات ، وقد يكون معروضة لها بالتبع والعرض . فانا إذا قلنا : هذه الحركة حصلت قبل هذه الحركة الأخرى ، قضى صريح العقل بأنها اتصفت بالقبلية ، لأجل أنها حصلت في زمان متقدم على حصول هذه الحركة المتأخرة . حتى أنا لو فرضنا أن هذه الحركة المتأخرة حصلت في ذلك الزمان المتقدم ، وتلك الحركة المتقدمة حصلت في الزمان المتأخر ، لكنا نقضي على تلك الحركة المتقدمة بأنها متأخرة . وبالعكس .
شرح عيون الحكمة — صفحة 121
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٢١