وأما القسم الثاني وهو كونها متلاقية لا بالأسر . فهذا أيضا محال .
لأنها لما كانت متلاقية بالبعض دون البعض . فالبعض المحكوم عليه بالتلاقى ، غير البعض المحكوم عليه بعد التلاقى . ضرورة أن النفي والاثبات لا يجتمعان . وذلك يقتضى أن يكون المحكوم عليه بأنه لا ينقسم يكون منقسما . وذلك محال . فثبت : أن الأجزاء التي لا تتجزأ .
لو كانت متلاقية لكانت اما أن تكون متلاقية بالأسر ، أو لا بالأسر .
وثبت : أن القسمين باطلان ، فوجب أن يكون القول بأنها متلاقية باطلا .
وإذا ثبت أنه يمتنع عليها أن تكون متلاقية ، ثبت أنه يمتنع أن تكون هذه الأجسام متألفة منها . لأن التأليف لا معنى له الا التلاقى . وإذا كان التلاقى محالا ، كان التأليف أيضا محالا .
وهذا هو تقرير هذا البرهان .
واعلم : أن هذه الحجة يمكن ايرادها على وجوه كثيرة :
الأول : ان كل جزء فلا بد وأن يكون يمينه غير يساره ، وفوقه غير تحته . وكل ما كان كذلك ، فهو منقسم . وهذا هو الوجه الذي ذكرناه في كتاب « الإشارات » الثاني : أن يقال : لو فرضنا ثلاثة جواهر متماسة . والوسط يلاقى الطرفين . فاما أن تكون تلك الملاقاة بالكلية ، أو لا بالكلية . فان كانت بالكلية فهو باطل . للوجوه الأربعة المذكورة ، وان كان لا بالكلية ، فالقسمة لازمة .
الثالث : هذه الأجزاء إذا تماست . فاما أن يكون تماسها بتمام ذواتها ، أو بنهايتها . والأول يوجب القول بتداخل الأجزاء . وهو محال - على ما بيناه - والثاني يقتضى أن يكون تماسها بنهاياتها لا بذواتها .
وحينئذ تكون نهاياتها غير ذواتها . فتلزم القسمة . وأيضا : فالنهاية التي بها يماس ما على يمينه غير النهاية التي بها يماس ما على يساره .
فتلزم القسمة . وهذا تمام تقرير هذه الحجة .
* * *
شرح عيون الحكمة — صفحة 105
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٠٥