على معرفة البراهين اليقينية ، كنا قد كلفنا المتعلم في أول الأمر ما لا طاقة له به ، فلم يبق الا أن نقرر ( ترك ) تلك المبادي بقياسات جدلية مقنعة ، إلى أن يجد قدرة على تحصيل البراهين اليقينية .
* * * وأما المنافع المطلوبة بالعرض من هذا النوع من القياس فأمور :
الأول : ان هذه الصناعة تفيد القدرة على افحام الخصم وغلبة المنازع .
الثاني : ان الانسان قد يعجز عن تركيب القياس عن المقدمات اليقينية ، وحينئذ يحتاج إلى أن يركبه عن المقدمات المشهورة ، لينتج أحد النقيضين ، ثم يركب قياسا آخر أيضا من المشهورات لانتاج النقيض التالي ، ثم لا يزال يرجح أحد الجانبين على الآخر ترجيحا بعد ترجيح ، وربما يخلص من تلك الترجيحات إلى وجدان البرهان المفيد لليقين .
الثالث : ان الانسان ينتفع بتأمل هذه الصناعة في صناعة البرهان من وجهين :
أحدهما : ان هذه القياسات الجدلية شديدة المشابهة بالقياسات البرهانية ، وتمتاز عنها بفروق دقيقة ، وإذا عرف الانسان في هذه الصناعة تلك الفروق الدقيقة ، صار ذلك من أعظم المعاونات على سهولة معرفة شرائط البرهان . لأن المتشابهين إذا عرفت ( الانسان فيهما ) كيفية امتياز أحد الجانبين عن الآخر ، أعان ذلك على معرفة امتياز الجانب الآخر عن الأول .
والثاني : أن كسب المقدمات المشهورة واعدادها أعم من كسب المقدمات البرهانية واعدادها ، إذ المشهور أعم من اليقين ، فربما اتفق له عند كسب المشهورات واعدادها أن يكتسب المقدمات البرهانية أيضا . وذلك حين ما يأخذ في تصفح المشهورات ليعرف ما منها برهاني ، وما منها غير برهاني .
شرح عيون الحكمة — صفحة 230
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٢٣٠