الخامس : انا إذا رجعنا إلى العقل لم نجد هذه المشهورات البتة في قوة البديهيات ، ولا جزئية منها . وذلك لأن قولنا : الظلم قبيح .
ان كان المراد بكونه قبيحا كونه مخلا بمصالح العالم - فلا جرم يبعد فيه طمع من كان محتاجا إلى جلب المصالح ودفع المفاسد - فهذا المعنى حق لا شك فيه . وصحته معلومة في بدائه العقول ، الا أن القبيح بهذا التفسير لا يمكن تحقيقه في حق الاله المتعالى . عن النفع والضر .
وإذا كان المراد من كونه قبيحا أمرا سوى ذلك ، فذلك المعنى غير متصور ، فضلا عن أن يكون مصدقا به ، وفضلا عن أن يكون ذلك التصديق تصديقا جازما . فعلمنا : أن كلامهم في تقرير هذا الفرق مختل .
وأما الفرق الذي ذكره « الشيخ » بين الأوليات والوهميات .
فنقول : ان اعترفت بأن هذه الوهميات لا تبلغ في القوة مبلغ البديهيات ، فحينئذ لا حاجة إلى هذا الفرق . وان ادعيت المساواة في القوة .
فنقول : هذا باطل ويتعذر أن يكون الأمر كذلك . فالفرق الذي ذكرتم باطل . أما المقام الأول : وهو أن ذلك باطل : فنقول : الذي يدل على بطلانه : أنا إذا عرضنا على قولنا ان الموجود اما أن يكون متحيزا أو حالا في المتحيز أو لا متحيزا ولا حالا في المتحيز ، وجدنا العقل قاطعا بصحة هذا التقسيم ولم نجد جزم العقل بامتناع وجود هذا التقسيم الثالث جاريا مجرى جزمه بامتناع الجمع بين الوجود والعدم ، بل لا نجد العقل جازما بامتناعه البتة . فثبت : أن هذه المقدمة ما بلغت مبلغ البديهيات في القوة .
وأما بتقدير أن يكون الأمر كذلك . فان الفرق الذي ذكره باطل .
وتقريره من وجوه :
الأول : أن نقول : انه انما حكم بفساد حكم الوهم ، بأن الوهم حكم بأن كل موجود في الجهة . لأنه وجد الوهم قد ساعد على تسليم مقدمة تنتج نقيض ذلك الحكم . فعلى هذا التقدير ، فانا نعلم أن حكم العقل صحيح . إذا علمنا أنه لم يحكم مما ينتج نقيض ذلك الحكم . الا أن
شرح عيون الحكمة — صفحة 201
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٢٠١