Skip to main content

شرح الفخر الرازى على الاشارات — Page 116

Contributors:

P.116
لكل نوع من الاعراض النفسانية نوع مخصوص من الأصوات قال السيد الجرجاني وقد يسكن الغضب بنفر أوتار الملاهي على الطريقة التي تسمى بردة توسليك وبردة نشابور وأما الخوف والغم فيعالج بما يثير الغضب وبنقر الأوتار في الطريقة التي تسمى بردة حسينى وأقول لا شك فيه ان الانسان تختلف أصواته عند اختلاف أحواله من الرضاء والغضب والفرج ولا شك أيضا في ان عند سماع الأصوات المختلفة يختلف حال الانسان في هذه الصفات فإذا ثبت ذلك فالمريد له مقامات مختلفة ودرجات متباينة فإن كان في مقام الخوف عن اللّه تعالى وأردنا ازدياده فيه أسمعناه الألحان المشجية وان أردنا نقله إلى الرجاء أسمعناه الألحان المطربة وان أردنا تقوية نفسه حتى تصير مستعلية مستولية أسمعناه الألحان المناسبة لذلك وأما كون الفاعل على سمت رشيد فالمراد منه ظاهر والفرق بينه وبين كون القائل ذكيا ان الذكاء إشارة إلى الزهد وهذا إشارة إلى العبادة السبب الثالث من أسباب الرياضة تلطيف السر والمراد منه جعل السر مستعدا للتوجه إلى تلك القبلة فإنه كما أن الابصار مسبوق بالنظر الذي هو عبارة عن تحريك الحدقة إلى سمت المرئى التماسا لرؤيته والسماع مسبوق بالاصغاء فكذا الادراكات العقلية مسبوقة بتلطيف السر وتجريده عن الغفلات وتحديق القوة العاقلة نحو المطلوب وهذه حالة يجدها العاقل عند النظر والتفكر فكأنه يحدق العقل نحو المطلوب ويوجهه اليه فإذا عرفت المراد من فلطيف السر فنقول انه بعين عليه أمران أحدهما الفكر اللطيف أما الفكر فلانه يفتقر فيه إلى تحديق العقل نحو المطلوب فإذا مارس الانسان الفكر حصلت له ملكة التحديق وأما اللطيف فلان الفكر قد يكون شاقا شديدا كما في حق المبتدئين وقد يكون سهلا كما في حق من كثرت ممارسته له وذلك هو المنتفع به والثاني العشق العفيف فان العاشق الذي هذا شأنه يكون مترصد الأحوال معشوقة في حركاته وسكناته وحضوره وغيبته ورضاه وسخطه فيكون توجه الذهن أبدا إلى استقراء أفعاله وتصفح أقواله فيحصل له بذلك ملكة تلطيف السر ولذلك يحكى انه رؤى مجنون بنى عامر في المنام فقيل له ما فعل اللّه بك فعال جعلني حجة على من يدعى محبته وهذا آخر غرضنا من شرح
شرح الفخر الرازى على الاشارات — Page 116 | فخر الدين الرازي