تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الفخر الرازى على الاشارات — صفحة 100

مساهمون:

ص١٠٠
ذكروها فهي ضعيفة جدا لأنا لا نفسر الرطوبة بالالتصاق على الاطلاق بل بالكيفية التي لأجلها يكون الجسم سهل الالتصاق بالغير سهل الانفصال عنه ومعلوم أن هذه الكيفية في الدهن والعسل ليست بأكمل منها في الماء فلا يلزم أن يكون الدهن والعسل أرطب من الماء وهذا القدر كاف في القدح في هذه الحجة ثم عليك بسائر كتبنا ان كنت في الاسهاب أرغب بل الواجب أن تجعل الرطوبة عبارة عن الكيفية التي بها يكون الجسم سهل الالتصاق بالغير سهل الانفصال عنه واليبوسة عبارة عن الكيفية التي بها يكون الجسم غير الالتصاق بالغير غير الانفصال عنه فان قيل ألستم سلمتم أن الكيفيات المحسوسة لا يجوز تعريفها بالأقوال الشارحة وهنا احتجتم إلى تعريف الرطوبة واليبوسة وابطال الأقوال الباطلة فيهما فنقول قد ذكر أن الفرق بين سهولة قبول الاشكال وسهولة الالتصاق الانفصال معلوم بالضرورة وان النزاع هاهنا ما وقع الا في ان المسمى بالرطوبة أي الامرين وأما اللين والصلابة فاعلم أن الجسم إذا كان يتطامر وينغمر تحت الإصبع أو ما يجرى مجراه قلنا له انه لين وهناك أمور أحدها الحركة الحاصلة فيه وثانيها حدوث شكل التقعر فيه وثالثها استعدادها لقبول ذلك الانغمار وليس اللين الا هذا القيد الأخير وكذلك الصلب هو الذي لا يتطامر تحت الإصبع فهناك أمور أحدها عدم الانغمار وثانيها بقاء الشكل الذي كان وثالثها المقاومة وهذا الأمر الثالث ليس صلابة أيضا فان الهواء الذي في الزق المنفوخ فيه مقاومة ولا صلابة فيه بل الصلابة عبارة عن الاستعداد الشديد نحوا لانفعال فرجع حاصل البحث إلى أن اللين عبارة عن الكيفية التي بها يكون الجسم مستعدا للانفعال عن الشكل الحاضر والصلابة هي الكيفية التي بها يكون الجسم مستعدا لعدم الانفعال عن الشكل الحاضر وهذا هو الذي ذكر الشيخ في تفسير الرطوبة واليبوسة فعلى قوله يلزم أن لا يبقى الفرق بين الرطب واليابس وبين اللين والصلب وأما على ما ذكرناه فالفرق بين الامرين ظاهر وأما اللزوجة والهشاشة فاعلم أن اللزوجة كيفية حاصلة بالمزاج فان اللزج هو الذي يكون سهل الالتصاق وعسر الانفصال وهو مؤلف من رطب ويابس شديدي الامتزاج فسهولة التصافه من الرطب وعسر انفصاله من اليابس وأما الهش فهو الذي يكون عسر الالتصاق وسهل الانفصال وذلك لغلبة اليابس فيه وقلة الرطب فهذا هو القول في ماهيات الكيفيات المذكورة ورابعها أنه لما ذا جعل بعض هذه القوى معدة للفعل وبعضها للانفعال فنقول لان تفاعل الحار والبارد ثبت بالبرهان وتفاعل الرطب واليابس ما ثبت بالبرهان ولا شك أن البرد يفيد التكثيف واليبس والحر يفيد الترقيق واللطافة فإذا الحرارة والبرودة كل واحدة منهما فاعلة في الأخرى وفاعلتان أيضا في الرطوبة واليبوسة أما الرطوبة واليبوسة فليس لواحدة منهما فعل في الأخرى ولا لهما أيضا تأثير في الحرارة والبرودة فلا جرم قيل الحرارة والبرودة فاعلتان والرطوبة واليبوسة منفعلتان وأما للدغ والتحذير فقد عرفت انتسابهما إلى الحرارة والبرودة وأما الطعوم والروائح فلا شك في تأثيرهما في آلتى الشم والذوق وأما اللزوجة فلانها معدة نحو الالتصاق والهشاشة معدة نحو الانفصال فلذلك كانتا من الانفعاليات واما اللين فلا شك في كونه انفعاليا بقيت الصلابة فإنها لا تعد للانفعال بل تعد للانفعال فلما ذا أوردها في القوى المعدة للانفعال ولعله انما أوردها هاهنا لما بينها وبين اللين من المناسبة وخامسها أن القوى الأولية للبسائط التي لأجلها يجرى بينها التفاعل وتحدث المركبات ما هي ولم هي فنقول أن المتولدات لا تحصل من اجتماع تلك البسائط الا عند تفاعلها فيجب أن يكون في كل واحد منها كيفية فعلية وكيفية انفعالية ثم إن الاستقراء دل على خلو البسائط عن جميع القوى الفعلية والانفعالية الا عن الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة فعلمنا أن هذه هي الكيفيات الفعلية والانفعالية الأولية للأركان وإذا عرفت هذه الجملة فلنرجع إلى شرح المتن أما قوله الأجسام التي قبلنا نجد فيها قوى مهيئة نحو الفعل مثل الحرارة والبرودة واللدغ والتحذير ومثل طعوم وروائح كثيرة وقوى مهيئة نحو الانفعال السريع أو البطيء مثل الرطوبة واليبوسة واللين والصلابة واللزوجة والهشاشة فاعلم أنك قد عرفت معنى القوة أولا ومعنى القوة المهيأة نحو الفعل أو الانفعال ثانيا وحقائق هذه القوى ثالثا وانه لم جعل بعضها فعليا وبعضها انفعاليا رابعا وانما قال الأجسام التي قبلنا احترازا عن الأجسام الفلكية فإنه ليس فيها شيء من هذه الصفات وانما خص اللدغ والتحذير بالذكر من بين أفعال الحرارة والبرودة لان أظهر أفعالهما في الحيوانات هذان الفعلان وانما خص الطعوم والروائح بالذكر مع أن الألوان والأصوات أيضا مؤثرة في آلتى البصر والسمع لان أثر الأولين في آلاتهما أظهر وأما قوله ثم إذا فتشت وأجدت التأمل وجدتها قد تعرى عن جميع القوى الفعالة الا الحرارة والبرودة والمتوسط الذي يستبرد بالقياس إلى الحار ويستسخن بالقياس إلى البارد فمعناه
شرح الفخر الرازى على الاشارات — صفحة 100 | فخر الدين الرازي