إليها . وهذا المعنى الذي لاح له ، هو قول رسول اللّه ( صلعم ) : « كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به « 1 » » ، وفي محكم التنزيل : «
فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ ، وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ ، وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ ، وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى
» « 2 » .
اشتياقه إلى العلة الأولى والسعي إلى معرفتها .
فلما لاح له من امر هذا الفاعل ما لاح على الاجمال دون تفصيل ، حدث له شوق حثيث إلى معرفته على التفصيل ، وهو بعد لم يكن فارق عالم الحس . فجعل يطلب هذا الفاعل المختار على جهة المحسوسات ، وهو لا يعلم بعد هل هو واحد أو كثير .
جميع الأجسام قابلة للكون والفساد .
فتصفح جميع الأجسام التي لديه ، وهي التي كانت فكرته ابدا فيها ، فرآها كلها تتكون تارة ، وتفسد أخرى . وما لم يقف على فساد جملته ، وقف على فساد اجزائه مثل الماء ، والأرض ، فإنه رأى اجزاءهما تفسد بالنار ، وكذلك الهواء رآه يفسد بشدة البرد حتى يتكون منه ثلج ، فيسيل ماء ؛ وكذلك سائر الأجسام التي كانت لديه ، لم ير منها شيئا بريئا عن الحدوث والافتقار إلى الفاعل المختار . فاطرحها كلها ، وانتقلت فكرته إلى الأجسام السماوية .
وانتهى إلى هذا النظر على رأس أربعة أسابيع من منشئه ، وذلك ثمانية وعشرون عاما .
الجزء الرابع : حي يرتقي من تفكيره في عالم الكون والفساد إلى التأمل في السماء والعالم بأسره
السماء أجسام متناهية ، كروية . يستحيل ان يكون جسم لا نهاية له .
فعلم أن السماء وما فيها من الكواكب ، أجسام ، لأنها ممتدة في الأقطار الثلاثة :
هامش
( 1 ) قطعة من حديث قال فيه الحافظ بن رجب : « هذا الحديث تفرد باخراجه البخاري دون بقية أصحاب الكتب » .
( 2 ) قرآن كريم سورة الأنفال الآية 17 .