الغزارة ما تبلغه القوى الطبيعية . وأما قوله : « حتى صار يمنع النفس من كثير من أفعالها » - فقد تقدم القول فيه .
قال أفلاطون : وعضو العين كبير اللطف إلّا أنه رسم - إلى أن قال : وهو مع ذلك متخوّف منه الإعلال قبل أن يربط ، إلّا أنه مشارك للدماغ في مجانسة النيّر .
قال أحمد : إنك تعرف بالحسّ صدق قول الفيلسوف في العين : أما لطافته فلإدراكه للألوان ، والدسومة ظاهرة « 1 » فيه أيضا بمعرفة أصحاب التشريح . والفيلسوف حذّر جدا من الأشياء الدهنة لأنها لا تكاد تقاوم النار ، والجنس الدهني كما قاله أرسطاطاليس واسطانيس الطبيعيّان « 2 » ، أعنى اليبس والرطوبة أنك إذا أضفته إلى النار كان رطبا ، وإذا أضفته إلى الماء كان يابسا . وقد أخرجت في هذا النوع من القول ما يقنع في كتابي « في التركيب والإضافات » . وأحوج ما يكون إليه المنتحل لهذه الصنعة معرفة هذا الجنس من العلم .
واعلم أن هذه الطبائع اختلف تركيبها جدا حتى كادت كثرة أن لا يحاط بكليتها وماهيتها ، وصار كل شئ مخصوص بشيء معدوم في غيره مما هو منسوب إلى طبعه . المثال : أن من العقاقير ما يتفق في الطبائع ويتفاوت في كثير من العلم . فنحن مضطرون إذا أن نخبر عن جنس كل شئ وما يخصّه ويظهر من أثره إذا كنا غير واثقين بمن يأتي من بعدنا أن يبلغ من « 3 » رأيه أن يستدل من التركيب الأول على مجانسة الأشياء وكيفياتها والعلّة فيما يخصّ ويعم . فلهذا وضع الفيلسوف الكتاب الثالث والرابع الذي مثّل فيه العمل . ولولا ذلك لكان مستغنيا بما حكاه في الفصل الأول من هذا الكتاب من الاستدلال بكتاب أقليدس وقوله أيضا إن الأشياء اختلفت من جهة التركيب ، وقوله إنه متخوّف منه الإعلال قبل أن يربط ، فإن القوى المربوطة بهذا العضو لطيفة جدا ، والعضو المربوط رخو والقوة تنحلّ عنه بسرعة .
وقد وضع الفيلسوف أعمالا يمنع بها القوى الغريزية من مفارقة الشئ حتى يربطه
هامش
( 1 ) ص : ظاهر .
( 2 ) ص : الطبيعتين ( بغير نقط ؛ ويمكن أن تقرأ : الطبيعتين - وتعود على اليبس والرطوبة )
( 3 ) ص : أن يبلغ من أن يبلغ من رأيه .