كما بطل ذلك في النبات . - فقد بان لك - إن استيقظت من سنة الضلال - أن قولك هذا فاسد واستدلالك هذا باطل .
فلم تردعه وصية الشيخ وما بيّن له ، ودار بينهما كلام كثير ، أدّى ذلك إلى مفارقته للشيخ وخرج إلى بلاد البابليين ، ونزل على مصبّ الفرات يطلب وجود هذه الصنعة .
وزاد في حرصه عليه منع الشيخ له عنه ، وأراد أن يكون انصرافه إلى بلاد اليونانيين . وقد أدرك ذلك لينفى عن نفسه ما نسب إليه من الاشتغال بالباطل والانهماك في المحال . فلم تزده الأيام إلّا حيرة ، ولا التفتيش إلّا عمى . فلما يئس وانقطع رجاؤه انصرف إلى بلاد اليونانيين خائبا خاسرا وقد نفدت أيامه وفاته الحظ الجليل من ملازمة أستاذه .
فلقيه أفلاطون فقال له كالهازئ به : هل أصبت مطلوبك يا أومانيطس ؟ فقال :
أصبت أن مطلوبى من مطلبه غير موجود .
فقال أفلاطون : قد أصبت الموجود .
قال ثابت : أيها الفيلسوف ! قد فتّ هذا الكلام في عضدي ونقص من غرامى ، وأوهى من رأيي ، إذ كنت أقدّر قديما تقدير أومانيطس وأظنّ « 1 » أنه الصواب . فأنا في هذا الوقت متحيّر ، قد بطل عندي - ببطلان هذا الرأي - وجود علم هذه الصنعة .
قال أحمد : إنه لا ينبغي أن يصحّ عندك وجودها حقيقيا حتى يبطل عندك رأيك الأول بطلانا لا تشك فيه .
قال ثابت : فأسألك بمن خصّك بالفضائل إلّا ما عجّلت كشف غمّ هذه الحيرة عنّى ، وألبستنى سرور الإيضاح وفرحة المطلوب والموجود .
قال أحمد : مما ينبغي أن تعلم يا ثابت : أن الاختيار والطبع متنافران متضادّان ، وأن فعل الطبيعة مستحيل كونه بفعل الاختيار لتنافر الأصلين ، أعنى الاختيار والطبع ، فيكون الذهب في هذا العالم بالاختيار ككون الطبع له مستحيل ، إلّا أنّا نخالف ذلك فندبّره تدبيرا يباعد الطبع وإن كان بعيدا قليلا . فإذا فعلنا ذلك دبّرناه كتدبير الاختيار في الأصل ، ثم رد البسيط بالتركيب إلى ما يراد من الجوهر .
هامش
( 1 ) ص : واصلّ ( ! )