رأى إنسانا في يده قليلا أو كثيرا من متاع الدنيا عده سالبا لحقه ، وحسبه مغتالا لرزقه ، حتى لو ناله شئ مما ينعم به ذلك الانسان فلا يرى له حق الشكر عليه ، ويعتد ذلك استردادا لبعض حقه قبله ، وحصولا على صبابة من ماله عنده ، وإذا أطعمه امرؤ وأذاقه من ألوان المطاعم والمناعم ما يشتهى وما لم يخطر له ببال ، قابله على إحسانه بقوله :
غير اختيار قبلت برك بي * والجوع يرضى الأسود بالجيف
فإذا عاتبه على كفران النعمة وسوء العرفان بالجميل . أنشده :
ما كنت إلا كلحم ميت * دعا إلى أكله اضرار
وإذا رأى إنسانا في منزلة عالية ، نظر إليه حاقدا متحسرا ، ورماه بعين الحسد منشدا :
وإذا رأيت فتى بأعلى رتبة * في شامخ من عزه المترفع
قالت لي النفس العروف بقدرها * ما كان أولاني بهذا الموضع
مار مى به في دينه
ومن الحق أن أبا حيان قد أوذى من الصاحب في نفسه وشعوره وإحساسه إيذاء لا يصبر عليه أحد - كما ستراه بعد - وليس لأبى حيان من سلاح يرد به عادية الظلم عن نفسه ، ويشفى به بعض ما كمن في صدره من غل إلا الرجوع إلى القلم يملى عليه مساوىء الصاحب ومخازيه التي رآها رأى العين ، والتي سمعها من ثقاته الأمناء ، كما يسطر بعض ما وقف عليه من هذا الطراز لابن العميد . وبهذا وضع عن كاهله عبأ باهظا ، ونفس عن صدره ضغطا كاد يذهب بصبره . أجل انه لم يقو ، بما صنع ، من التخلص من حبائل الصاحب وأشراكه ، فقد آخى له أخية ظلت في عقبه حتى أضاعته وجعلته مثلة في أفواه الشيوخ وكادت تمحو اسمه من صفحات الوجود . لولا أن مثله لا يضيع . فقد حرض عليه من شيوخ الدين من لم يرقب في اللّه إلا ولا ذمة فقالوا فيه من الكذب والبهتان ما هو منه براء ، ورموه في دينه