فليس ذلك سلبا مطلقا لكن بمعنى أنه هو أبدعها وهو أعلى منها . وإنما له ما يليق به من هويته .
وكل موجود ، سوى العلة الأولى ، فله غذاء يليق به وقوة بسببها يقوى . فالأجسام الكونية من النبات والحيوان أغذيتها أجسام ؛ والأجسام السماوية غذاؤها الحركة المتصلة الصادرة عن تصور عقلي . والنفس لها غذاء من تأمل العقل . والعقل غذاؤه النظر إلى مبدعة . والشريعة تعبر عن هذا الغذاء بالتسبيح والتقديس : إن الذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار لا يفترون ولا يسأمون . وكل مغتذ فله فضلة تبرز عنه . إن كان غذاؤه جسما ، فالفضلة البارزة جسم ؛ وإن كان غذاء روحانيا ، فالبارز عنه أمر روحاني . فالعقل يفيض عنه النفس ، والنفس تفيض عنها الطبيعة الكلية ، وهو عالم الأفلاك . وعن الطبيعة يفيض عالم الكون . والتلمذة جبلة ذاتية في أجزاء العالم بأسره : العالم الروحاني ، والعالم الجرمي ، وعالم الكون .
واللّه تعالى قدوة القدوات ، وإليه الأمر ، وبيده الخير .
وفي الشريعة كلمات موجزة في التوحيد هي جوامع الكلم . منها أن النبي - صلى اللّه عليه وسلم ! - سئل : هل رأيت ربك ؟ فقال : نورانىّ أراه . وقال له قوم : صف لنا ربك ! فقال : ربى بائن من الأشياء - وقرأ :
« لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
« 1 »
»
.
ونقول : إن القوى الدراكة في الإنسان صفتان : ظاهرة وباطنة . وكل قوة مدركة فلها حدّ لا تتجاوزه . فإن زاد أو نقص عجزت عن إدراكه . فيصعب على البصر إدراك الذرّ كما صعب عليه إدراك قرص الشمس . وكذلك الأصوات الهائلة والخفية عند السمع .
وكذلك سائر الحواسّ القوية جدا كثيرا « 2 » ما تفسد الحاسّة ؛ وأما الضعيفة فلا تفسد أصلا .
وخذ مثل هذا في مدركات العقل : فإن الحركة والزمان والهيولى والعدم والممكن يدرك إدراكا ضعيفا وبمقايسة شديدة وتأمل طويل لخفيتها في نفسها وضعف وجودها . لا لنقص في المدرك أو عجز منه . كما يصعب على البصر إدراك الذر وأجزاء الهباء . وأما ما هو في غاية القوة والكثرة وعلى أقصى ما يكون من الظهور ، فإن العقل يحسر دون إدراكه ويدهش
هامش
( 1 ) سورة « الشورى » : 9 .
( 2 ) ص : كثير .