والمبدع الأول هو الفرد الأول المحض ، وما سواه فلا يعرى من زوجية ومثنوية .
والأول خاصة مفرد بالوحدة الحق ، وليس هو واحد من جهة العدد ، لأن الواحد مبدأ العدد وعلته ولا ينفكّ منه . والواحد العددي يتحد بالأشخاص على ضربين : ( الأول ) أن لا يوجد الواحد فيه إلا مرة كالأرض والشمس ، و ( الثاني ) يوجد الواحد فيه مرارا كثيرة مثل المعادن وأشخاص النبات والحيوان . وليس كونه واحدا من جهة تقسيم وتضعيف كالنصف والثلث والضعف . والنفس تتضاعف أبدا بالاستعادة مما فوقها ، وتتجزأ بالإفادة لما دونها . وكذلك العقل يتجزأ بالإحاطة بالمبزورات المودعة فيه ، ويتضاعف بالتلقى عن مبدعة مرة بعد أخرى على الدوام . - فأما المبدع الأوّل فهو منزّه عن التجزئة والتضعيف ولا يتضاعف علة أو صورة أو مثالا « 1 » . وهو الواحد الحق المبين لكل ما يقال عليه إنه واحد .
ولا يدرك - سبحانه ! - إلا بنفي ما تقع عليه الإشارة وسلب ما سلب عنه الإشارة . ومن توهم أنه ليس باثنين أوليس بثلاثة أو غيرها فقد جهل بارئه لأنه يشير بوهمه إلى مشار يعدّه الواحد .
قال الحكيم « 2 » : كيف صار الواحد الحقّ المحض الذي لا كثرة فيه بنوع من الأنواع تنبعث منه كثرة من غير أن يخرج عن وحدانيته ولا أن يتكثر ، بل اشتدت وحدانيته عند إبداعه الكثرة ؟
وقبل أن نطلق هذه المسألة نبتدئ ونتضرع إلى اللّه سبحانه ونسأله العون والتوفيق على إيضاح ذلك بقدر استطاعتنا . وليس ما نسأله [ 162 ] ونتضرع إليه بالقول فقط ، ولا نرفع أيدينا الداثرة إليه - لكنّا نبتهل إليه ونتضرع بخضوع عقولنا ونبسط أنفسنا له ونتضرع إليه أشد تضرع « 3 » ، ونطلب طلبا متواترا دائما ولا نمل . فإذا فعلنا ذلك مخلصين أنار عقولنا بنوره الساطع ونفى عنا الجهل الذي يغلب على سوسنا ، وقوّانا على ما سألناه من المعونة على ذلك .
هامش
( 1 ) ص : مثال .
( 2 ) يناظر ص 113 س 19 - ص 114 س 6 .
( 3 ) ص : تضرعا .