الحىّ إنما ينقلب « 1 » في مواضع حارّة « 2 » وباردة وفي سائر الآثار الجرميّة ، فلئلا « 3 » تفسد أجساد الحيوان فسادا سريعا جعلها محسّة وجعل لكل حسّ من حسائسها « 4 » أداة ملائمة لذلك « 5 » الحسّ . إلا أنه إما أن تكون هذه القوى ، أعنى الحسائس ، كانت في الحيوان أوّلا ، ثم جعل الباري أخيرا أدوات ، أو أن يكون الباري جعل لها قوى الحسائس « 6 » والأدوات جميعا . فإن كان الباري - جلّ وعلا ! - أحدث الحسائس في الحيوان ، فإن النفس « 7 » لم تكن حاسّة أوّلا قبل أن تأتى إلى الكون . فإن كانت قد كان لها الحسّ قبل أن تأتى إلى الكون ، فإتيانها إلى الكون غريزىّ . وإن كان ذلك الكون غريزيّا فثباتها وكونها في [ 22 ب ] العالم العقلي غير غريزي طبيعي ، وتكون إنما أبدعت لا لنفسها لكن لأشياء أخر ، ولتكون في الموضع الأخسّ « 8 » الأدنى . وإنما دبرها المدبر وجعل لها هذه القوى والأدوات لتكون في الموضع الأدنى المملوء شرّا دائما ، وكان هذا التدبير إنما يكون لرويّة وفكر ، أي تكون النفس في موضع أخسّ لا في موضع أشرف أكرم بتدبيرها . ونقول : إنه لم يبدع الباري الأوّل - عز وجلّ - شيئا من الأشياء بروية ولا فكر « 9 » ، لأن للفكر أوائل ، والباري « 10 » - عز وجل ! - لا أوائل له ، والفكرة إنما تكون من فكرة « 11 » أخرى ، وذلك الفكر أيضا من آخر إلى ما لا نهاية له . وأمّا أن يكون من شئ آخر فهو « 12 » قبل الفكر ، وذلك الشئ إما أن يكون الحسّ أو العقل ، ولا يمكن أن يكون أول الفكر الحسّ ، لأنه لم يكن بعد وهو تحت العقل ، والعقل إذن هو المبدع للفكر « 13 » - فإنه لا محالة أن يكون مبدع الفكر إما بالقضايا ، وإما بالنتائج .
والقضايا والنتائج تكونان في علم المحسوسات ، والعقل لا يعلم شيئا من المحسوسات علما حسّيا .
فليس إذن العقل بأوّل الفكر ، وذلك أن العقل يبدأ في علمه من المعقول الروحاني وينتهى
هامش
( 1 ) ص : يتقلب .
( 2 ) ص : أو .
( 3 ) ص : لئلا .
( 4 ) ص : حواسها .
( 5 ) ح : ذلك . ص : لذلك لا أنه إما . .
( 6 ) ص : الحواس .
( 7 ) ص : الأنفس .
( 8 ) الأخس : ناقصة في ص .
( 9 ) ص : فكرة .
( 10 ) ص : والباري الأول لا . . .
( 11 ) ص : فكر آخر .
( 12 ) ص : هو .
( 13 ) ط : الفكر . ح : مبدع الفكر فإنه لا يخلو أن يكون مبدع الفكر .