مواضع المعدودات . ويرى أن لذلك كانت خاصته تقدير الحركات ، وتقدير وجود الموجودات المتحركة من جهة ما هي متحركة ، كما يقدر العدد أعيانها .
ولذلك يقول أرسطو في حد الزمان أنه : عدد الحركة بالمتقدم والمتأخر الذي فيها .
وإذا كان هذا هكذا فكما أنه إن فرضنا معدودا ما حادثا ليس يلزم أن يكون العدد حادثا ، بل واجب إن كان معدودا ، أن يكون قبله عدد . كذلك واجب إن كان هاهنا حركة حادثة أن يكون قبلها زمان . ولو حدث الزمان بوجود حركة مشار إليها ، أي حركة كانت ، لكان الزمان إنما يدرك مع تلك الحركة . فهذا يفهم لك أن طبيعة الزمان أبعد شيء من طبيعة العظم .
قال أبو حامد مجيبا عن الفلاسفة : فإن قيل : هذه الموازنة معوجة ، لأن العالم ليس له فوق ولا تحت ، لأنه كري ، وليس للكرة فوق ولا تحت ، بل إن سميت جهة فوقا من حيث إنها تلي رأسك ، والأخرى تحتا من حيث أنها تلي رجلك ، فهو اسم تحدده بالإضافة إليك . والجهة التي هي تحت بالإضافة إليك هي فوق بالإضافة إلى غيرك ، إذا قدرته على الجانب الآخر من الكرة الأرضية ، واقفا يحاذي أخمص قدمه أخمص قدمك . بل الجهة التي تقدرها فوقك من أجزاء السماء نهارا هي بعينها تحت الأرض ليلا . وما هو تحت الأرض يعود إلى فوق الأرض بالدور . وأما الأول لوجود العالم لا يتصور أن ينقلب آخرا . وهو كما لو قدرنا خشبة أحد طرفيها غليظ ، والآخر رقيق ، واصطلحنا على أن نسمي الجهة التي تلي الرقيق فوقا إلى حيث ينتهي ، والجانب الآخر تحتا ، لم يظهر بهذا اختلاف ذاتي في أجزاء العالم ، بل هي أسامي مختلفة ، قيامها بهيئة هذه الخشبة ، حتى لو عكس وضعها لا نعكس الاسم . والعالم لم يتبدل . فالفوق والتحت نسبة محضة إليك لا تختلف أجزاء العالم وسطوحه فيه .
وأما العدم المتقدم على العالم ، والنهاية الأولى لوجوده فموجود ذاتي لا يتصور أن يتبدل فيصير آخرا ، ولا العدم المقدر عند فناء العالم الذي هو عدم لا حق ، يتصور أن يصير سابقا . فطرفا نهاية وجود العالم الذي أحدهما أول ، والثاني آخر ، طرفا ذاتيان ثابتان لا يتصور التبدل فيهما بتبدل الإضافة إليهما ، بخلاف الفوق والتحت . فإذا أمكننا أن نقول :
ليس للعالم فوق ولا تحت فلا يمكنكم أن تقولوا ليس لوجود العالم قبل ولا بعد وإذا ثبت القبل والبعد فلا معنى للزمان سوى ما يعبر عنه بالقبل والبعد .
قلت : هذا الكلام الذي هو جواب عن الفلاسفة في نهاية السقوط .
وذلك أن حاصله أن الفوق والأسفل هما أمران مضافان ، فلذلك عرض لهما التسلسل الوهمي . وأما التسلسل الذي في القبل والبعد ، فليس وهميا ، إذ
تهافت التهافت — صفحة 66
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص٦٦