جعلنا اللّه تعالى من أهل البصائر ، وكشف عنا حجب الجهالة ، إنه منعم كريم .
والاطلاع على الأفعال الخاصة بالأجرام السماوية هو الاطلاع على ملكوتها الذي اطلع عليه إبراهيم عليه السلام ، حيث يقول سبحانه :
وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ
.
ولننقل هاهنا قول أبي حامد في الحركات وهو هذا .
قال أبو حامد : والإلزام الثاني تعيين جهة حركة الأفلاك ، بعضها من المشرق إلى المغرب ، وبعضها بالعكس إلى قوله : كان لخصومهم دعوى الاختلاف في الأحوال والهيئات .
قلت : وأنت فلن يخفى عليك الإقناع في هذا القول مما تقدم والجواب عنه . وأن هذا كله من فعل من لم يفهم تلك الطبائع الشريفة ، والأفعال المحكمة التي كونت من أجلها ، وشبه علم اللّه تعالى بعلم الإنسان الجاهل .
وقوله : فإن قالوا : الجهتان متقابلتان متضادتان فكيف يتساويان . قلنا : هذا كقول القائل :
المتقدم والمتأخر في وجود العالم يتضادان ، فكيف يدعي تشابههما ؟ ولكن الذين زعموا أنه يعلم تشابه الأوقات المختلفة بالنسبة إلى إمكان الوجود ، وإلى كل مصلحة يتصور فرضها في الوجود . فكذلك يعلم تساوي الأحيان والأوضاع والإمكان والجهات ، بالنسبة إلى المصلحة .
هو قول ظاهر البطلان في نفسه . فإنه إن سلم أن إمكان وجود الإنسان وعدمه هو على السواء في المادة التي خلق منها الإنسان . وأن ذلك دليل على وجود مرجح فاعل للوجود ، دون العدم ، فليس يمكن أن يتوهم أن إمكان الإبصار من العين ، ولا إبصار هو على السواء . وذلك أنه ليس لأحد أن يدعي أن الجهات المتقابلة متماثلة ، ولكن له أن يدعي أن الفاعل لهما متماثل ، وأنه يلزم عنهما أفعال متماثلة .
وكذلك المتقدم والمتأخر ليس هما متماثلين من حيث هذا متقدم وهذا