فاسد ، وإن كان من أشخاص غير متناهية ، فإن الدهرية تضع أنه ممكن ، وواجب أن يكون المجموع أزليا ، من غير علة توجد عنها .
وأما الفلاسفة فإنهم يجوزون ذلك ، ويرون أن مثل هذه الأجناس ، من جهة ما تتقوم بأشخاص ممكنة فاسدة أنه لا بد لها من سبب خارج جنسها دائم أزلي ، هو الذي من قبله استفادت هذه الأجناس الأزلية . ولا يزعمون أيضا أن استحالة علل لا نهاية لها ، هي من قبل استحالة تقوم القديم بما لا نهاية له . فهم يقولون : إن كون الحركات المختلفة بالجنس هاهنا دائمة لا تخل هو أن هاهنا حركة واحدة بالعدد أزلية . وأن السبب في أن هاهنا أجساما كائنة فاسدة بالأجزاء ، أزلية بالكل ، أن هاهنا موجودا أزليا بالجزء والكل وهو الجرم السماوي .
والحركات التي لا نهاية لها ، إنما صارت أبدية بالجنس من قبل حركة واحدة بالعدد ، متصلة دائمة ، وهي حركة الجرم السماوي . وليس حركة السماء مؤلفة من دورات كثيرة إلا في الذهن فقط . وحركة الجرم السماوي إنما استفادت الدوام ، وإن كانت كائنة فاسدة بالأجزاء ، من قبل محرك لا يمكن فيه أن يحرك تارة ولا يحرك أخرى ، ومن قبل متحرك لا يمكن فيه أيضا أن يتحرك حينا ويسكن حينا ، من جهة ما هو متحرك ، كما يلفي ذلك في المتحركات التي لدينا .
ومذهب الناس في الأجناس ثلاثة مذاهب :
- مذهب من يرى أن كل جنس فهو كائن فاسد ، من قبل أنه متناهي الأشخاص .
- ومذهب من يرى أن من الأجناس ما هي أزلية ، أي لا أول لها ولا آخر ، من قبل أنه يظهر من أمرها أنها من أشخاص غير متناهية وهؤلاء قسمان : قسم قالوا : إن أمثال هذه الأجناس إنما يصح لها الدوام من علة ضرورية واحدة بالعدد ، وإلا لحقها أن تعدم مرات لا نهاية لها في الزمان الذي لا نهاية له .
وهؤلاء هم الفلاسفة .
- وقسم اعتقدوا أن وجود أشخاصها غير متناهية ، كاف في كونها أزلية وهم الدهرية .
فقف على هذه الثلاثة الآراء . فجملة الاختلاف هو راجع إلى هذه الثلاثة
تهافت التهافت — صفحة 164
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص١٦٤