الأول ، فإذا ليس الإنسان الماضي شرطا في وجود الإنسان الآتي . كما أن الصانع إذا صنع مصنوعات متتابعة في أوقات متتابعة بآلات مختلفة ، وصنع تلك الآلات بآلات ، وتلك بآلات أخر ، فإن كون هذه الآلات بعضها عن بعض هو بالعرض ، وليس منها واحدة شرطا في وجود المصنوع إلا الآلة الأولى ؛ أعني المباشرة ، فالأب ضروري في كون الابن ، كما أن الآلة التي يباشر بها المصنوع ضرورية في كون الآلة المباشرة وليست ضرورية في كون المصنوع الذي صنع إلا بالعرض ، ولذلك ربما كان فساد الآلة المتقدمة شرطا في وجود المتأخرة إذا فعل المتأخرة من مادة المتقدمة ، مثل أن يكون إنسان من إنسان فسد بتوسط كونه نباتا ، والنبات منيّا ، أو دم طمث ، وقد تقدم القول في هذا .
وأما التي تجوّز مرور العلل إلى غير نهاية بالذات فهي الدهرية ، ومن يسلم هذا يلزمه إلا يعترف بعلة فاعلة ، ولا خلاف عند الفلاسفة في وجود علة فاعلة .
وقوله : وإن كان العالم موجودا بنفسه لا علة له فقد ظهر المبدأ الأول .
يريد أن الدهريين وغير هم معترفون بمبدإ أول لا علة له ، وإنما اختلافهم في هذا المبدأ ، فالدهريون يقولون : إنه الفلك الكلي ، وغير الدهريين يقولون : إنه شيء خارج عن الفلك وإن الفلك معلول وهؤلاء فرقتان : فرقة تزعم أن الفلك فعل محدث ، وفرقة تزعم إنه فعل قديم .
ولما كان هذا البيان مشتركا للدهريين وغير هم قال :
نعم لا يجوز أن يكون المبدأ الأول هي السماوات لأنها عدد ودليل التوحيد يمنعه .
يريد أن النظام الذي في العالم يظهر منه أن المدبر له واحد ، كما أن النظام الذي في الجيش يظهر منه أن المدبر له واحد وهو قائد الجيش ، وهذا كله كلام صحيح .
وقوله : ولا يجوز أن يقال أنه سماء واحد أو جسم واحد أو شمس أو غيره لأنه جسم ، والجسم مركب من هيولى وصورة ، والمبدأ الأول لا يجوز أن يكون مركبا .
قلت : أما قوله : إن كل جسم مركب من هيولى وصورة فليس هو مذهب الفلاسفة في الجرم السماوي إلا أن يكون هنالك هيولى باشتراك الاسم ، وإنما هو شيء انفرد به ابن سينا ، لأن كل مركب عندهم من هيولى وصورة
تهافت التهافت — صفحة 157
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص١٥٧