تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تهافت التهافت — صفحة 139

مساهمون:

ص١٣٩
الوحدانية وكانت الوحدانية التي فيها هي سبب وجود الكثرة التي تربطها تلك الوحدانية صار مبدأ لهذه كلها على أنه فاعل وصورة وغاية وصارت جميع الموجودات تطلب غايتها بالحركة نحوه ، وهي الحركة التي تطلب بها غاياتها التي من أجلها خلقت ، وذلك أما لجميع الموجودات فبالطبع وأما للإنسان فبالإرادة ولذلك كان مكلفا من بين سائر الموجودات ومؤتمنا من بينها وهو معنى قوله سبحانه :
إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ
الآية . وإنما عرض للقوم أن يقولوا : إن هذه الرئاسات التي في العالم وإن كانت كلها صادرة عن المبدأ الأول أن بعضها صدر عنه بلا واسطة ، وبعضها صدر منه بواسطة عند السلوك والترقي من العالم الأسفل إلى العالم الأعلى ، وذلك أنهم وجدوا أجزاء الفلك بعضها من أجل حركات بعض ، فنسبوها إلى الأول فالأول حتى وصلوا إلى الأول بإطلاق ، فلاح لهم نظام آخر ، وفعل اشتركت فيه جميع الموجودات اشتراكا واحدا ، والوقوف على الترتيب الذي أدركه النظار في الموجودات عند الترقي إلى معرفة الأول عسير ، والذي تدركه العقول الإنسانية منه إنما هو مجمل ، لكن الذي حرك القوم أن اعتقدوا أنها مرتبة عن المبدأ الأول بحسب ترتيب أفلاكها في الموضع ، هو أنهم رأوا أن الفلك الأعلى فيما يظهر من أمره أنه أشرف مما تحته ، وأن سائر الأفلاك تابعة له في حركته ، فاعتقدوا لمكان هذا ما حكي عنهم من الترتيب بحسب المكان . ولقائل أن يقول لعل الترتيب الذي في هذه إنما هو من أجل الفعل لا من أجل الترتيب في المكان ، وذلك أنه لما كان يظهر من أفعال هذه الكواكب ؛ أعني السيارة ، حركاتها من أجل حركة الشمس ، فلعل المحركين لها إنما يقتدون في تحريكاتهم بحركة الشمس ، وتحرك الشمس عن الأول ، فلذلك ليس يلفي في هذا المطلب مقدمات يقينية بل من جهة الأولى والأخلق . وإذ قد تقرر هذا فلنرجع إلى ما كنا بسبيله . والجواب الثاني : قال أبو حامد : هو أن من ذهب إلى أن الأول لا يعقل إلا نفسه ، إنما خاف من لزوم الكثرة إذ لو قال فيه يعقل غيره للزم أن يقال : عقله غيره غير عقله نفسه ، وهذا لازم في المعلول الأول ، فينبغي أن لا يعقل إلا نفسه لأنه لو عقل غيره لكان ذلك غير ذاته ، ولافتقر إلى علة غير علة ذاته ، ولا علة إلا علة ذاته وهو المبدأ الأول فينبغي أن لا يعلم إلا ذاته وتبطل الكثرة التي نشأت من هذا الوجه .
تهافت التهافت — صفحة 139 | أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)