ولا يلزم من كون المزاج الإنساني الأشرف مستدعيا للنفس الناطقة من العقل المفارق أن يكون المزاج الأخسّ الذي لباقي الحيوانات المنتكسة مستدعيا لذلك ، بل الحيوانات الصامتة بخواص أمزجتها وتنوّع أخلاقها مستدعية لانتقال النفوس الناطقة المفارقة للأبدان الإنسانية إليها مستعدة للتعلق بها بحسب الملكات والأخلاق والهيئات الردية : فإن كانت النفس المفارقة للبدن الإنساني اكتسبت فيه الهيئات الردية وكانت قوية « 1 » في الكم والكيف ، تعلقت بالبدن المناسب لها ، وهو الذي فيه « 2 » تلك الهيئات والأخلاق الردية قوية في الكم والكيف . وإن كانت ضعيفة فتتعلق بالحيوان الذي فيه تلك الهيئات الردية ضعيفة . وإن كانت متوسطة فبالمتوسط ؛ فإنّ النفس إذا فارقت البدن وهي عاشقة للشهوات الجسمانية ومشتاقة إلى العلائق الظلمانية غير عالمة بذاتها ولا بعللها النورانية وجواهرها الروحانية ، فهي لشدة شوقها إلى الظلمات البدنية منجذبة إلى أسفل السافلين ومأوى المجرمين ؛ فإنّ العالم الجسماني وما فيه من الأجسام النوعية كل واحد منها - ما ذكرناه - مشتاق بطبعه إلى نور عارض ليظهره ونور مجرد ليدبّره . وكانت الأبدان الحيوانية غير مستعدة لقبول فيض الأنوار المجردة من العقل المفارق بل النفوس الواصلة إليها المتعلقة بها منتقلة إليها من الأبدان الإنسانية ، فهي لذلك متعطّشة إلى تلك الأنوار ومشتاقة إلى التعلق بها ؛ فهي بما فيها من خواص الأمزجة والقوى ، جاذبة لها ؛ والنفوس بما فيها من الهيئات الردية المناسبة لتلك الأمزجة ، منجذبة إليها ؛ فإنّ الحكمة التي لأجلها وجب تعلق النفس بالبدن من الحاجة إلى الاستكمال بعد باق ، لأنّ كلامنا في النفوس المفارقة للأبدان بدون تحصيل الكمالات الإنسانية ؛ فوجب تعلقها بالأبدان الحيوانية المناسبة لملكاتها الردية من غير أن يرتقي من النفوس الحيوانية إلى الأبدان الإنسانية شيء .
رسائل الشجرة الإلهية في علوم الحقائق الربانية — صفحة 583
مساهمون: شمس الدين محمد بن محمود الشهرزوري
ص٥٨٣
هامش
( 1 ) . ن : قوة .
( 2 ) . ن : فهي .