تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كتاب السياسة المدنية — صفحة 124

مساهمون:

ص١٢٤

من بعيد أن هاهنا حقا ويقع في نفسه أن هؤلاء الذين يزعمون أنهم أدركوه عسى أن يكونوا أدركوه أو أن يكون فيهم من عسى أن يكون قد أدرك ويحس من نفسه أن ذلك قد فاته إما لأنه يحتاج في إدراكه إلى زمان طويل وإلى كد وعناء وليس له زمان يفي به ولا قوة له على الكد والدءوب إما لأنه تشغله لذّات وأشياء أخر قد اعتادها يعسر عليه اطّراحها عن نفسه وإما لأنه قد أحس من نفسه أنه لا يدركه ولو آتته أسبابه كلها . فيعرض له أسف وحسرة على ما يظن أنه عسى أن يكون غيره قد لحقه فيرى من الرأي ، لأجل حسد من عسى أن يكون قد أدرك الحق ، أن يجهد في أن يوهم بأقاويل مموهة أن الذي يقول إنه أدركه إما مغرور وإما كاذب يلتمس بما يدعيه من ذلك إما كرامة وإما يسارا أو غير ذلك مما شأنه أن يهوى . وكثير من هؤلاء يحس بما فيه من الجهل أو الحيرة فيتألم ويتأذى بما يحسه من نفسه ويغتم ويمضّه ذلك ، ولا يجد سبيلا إلى إزالة ذلك عن نفسه بعلم يقف به على الحق الذي يكسبه إدراكه لذة ، فيرى أن يستريح من ذلك إلى سائر الغايات الجاهلة وإلى الأشياء الهزلية واللعبية فيجعلها سلوته إلى أن تأتيه منيته فتريحه مما هو فيه « 1 » .

هامش
( 1 ) ينطبق هذا الوصف على المتوقفة أو اللاأدرية الذين يقولون إن الإنسان لا يعرف شيئا من أسرار العالم .