فتحصل هذه المدينة مدنا كثيرة لا متميزة بعضها عن بعض لكن داخلة بعضها في بعض ، متفرقة أجزاء بعضها من خلال أجزاء البعض ، لا يتميز الغريب بها من القاطن . وتجتمع فيها الأهواء والسير كلها ، فلذلك ليس يمتنع إذا تمادى الزمان بها أن ينشأ فيها الأفاضل ، فيتفق فيها وجود الحكماء والخطباء والشعراء في كل ضرب من الأمور . ويمكن أن يلتقط منها أجزاء للمدينة الفاضلة ، وهذا من خير ما ينشأ في هذه المدينة . ولهذا صارت هذه أكثر المدن الجاهلة خيرا وشرا معا ، وكلما صارت أكبر وأعمر وأكثر أهلا وأخصب وأكمل للناس كان هذان أكثر وأعظم « 1 » . والمقصود بالرئاسات الجاهلة هو على عدد المدن الجاهلة ، فإن كل رئاسة جاهلة إما أن يكون القصد بها إما التمكن من الضروري وإما اليسار وإما التمتع باللذات وإما الكرامة والذكر والمديح وإما الغلبة وإما الحرية . فلذلك صارت هذه الرئاسات تشرى شراء بالمال ، وخاصة الرئاسات التي تكون في المدينة الجماعية . فإنه ليس أحد هناك أولى بالرئاسة من أحد فمتى سلمت الرئاسة فيها إلى أحد فإما أن يكون أهلها متطوّلين بذلك عليه وإما أن يكون قد أخذوا منه أموالا أو عوضا آخر « 2 » .
كتاب السياسة المدنية — صفحة 116
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص١١٦
هامش
( 1 ) لاحظ هذا الحكم الصائب الذي يصدره الفارابي على النظام الجماعي : « لهذا صارت هذه أكثر المدن الجاهلة خيرا وشرا معا » والسبب هو أنها يجتمع فيها الخسيس والشريف ، أو حسنات المدينة الفاضلة ومساوىء المضادة .
( 2 ) دور المال في النظام الجماعي ما زال يتعاظم حتى عصرنا ولذا غدا نظاما رأسماليا .