ويكونوا متساوي المراتب فيها وإما أن يكونوا على مراتب لكل واحد منهم شيء قد غلب عليه من المقهورين المجاورين لهم أقل أو أكثر مما للآخر من ذلك . وكذلك يتقاربون في القوى والآراء التي يغلبون بها إلى ملك يرأسهم ويدبر أمر القاهرين فيما يصلون به من آلة القهر . وربما كان القاهر واحدا فقط وله قوم هم له آلات في قهر سائر الناس ، ليس لأحدهم همة في أن يغلب على شيء يأخذه لنفسه بل همته في أن يغلب على الشيء ليكون لذلك الواحد . ويكفيه من أمره ما يقيم به حياته وجلده الذي يستعمله وأن يعطي لغيره ويغلب لغيره مثل الكلاب والبزاة . وكذلك سائر أهل المدينة سوادهم عبيد يخدمون ذلك الواحد في كل ما فيه هوى ذلك الواحد أذلاء خاضعين لا يملكون لأنفسهم شيئا أصلا . فبعضهم يحرثون له وبعضهم يتّجرون له . ويكون قصده في ذلك ليس شيئا أكثر من أن يرى قوما مقهورين مغلوبين أذلاء له فقط ، وإن لم ينله نفع آخر من جهتهم ولا لذة سوى الذل وأن يكونوا مقهورين . فهذه مدينة التغلب بملكها فقط . فأما سائر أهل المدينة فليسوا متغلبين . والتي قبلها مدينة التغلب بنصفها ، والأولى بجميع أهلها « 1 » .
كتاب السياسة المدنية — صفحة 110
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص١١٠
هامش
( 1 ) يميز الفارابي ثلاثة أنواع من مدينة التغلب : النوع الأول المدينة التي يقصد جميع أهلها التغلب . النوع الثاني المدينة التي يكون نصف أهلها يقصدون التغلب . النوع الثالث المدينة التي يكون ملكها فقط يقصد التغلب ويكون سائر أهلها عبيدا له يخدمونه .