العلم أن للصور وجودين : وجود محسوس ، أو شبيه بالمحسوس ، وهو الوجود الذي لها من حيث هي في هيولى ، ووجود معقول ، وهو الذي لها من حيث تجرّدها « 1 » عن الهيولى . فلذلك إن كانت هنا صور الوجود « 2 » لها من حيث أنها ليست في هيولى ، فبالضرورة أن تكون عقولا مفارقة ، إذ كان ليس للصور بما هي صور وجود ثالث . 25 - وإذ قد تبين أن الوجود لهذه الحركات « 3 » إنما هو من حيث هي عقول ، فلننظر على أىّ جهة تحرّك الأجسام السماوية ، وليس هنا وجه إلا على جهة التصوّر بالعقل الذي « 4 » يتبعه التشوّق ، كما تحرّك صورة المعشوق العاشق « 5 » . وإذا كان ذلك كذلك فالأجرام السماوية ذات عقول ضرورة ، إذ كانت متصورة « 6 » . وهذا برهان سبب ووجود ، ولأن الحركة إنما تكون من شوق فهي ضرورة ذات شوق نطقى . 26 - وليس لها من إجزاء النفس إلا هذا الجزء فقط ، فإنه ليس يمكن أن يوجد للأجرام السماوية حواس : فإن الحواسّ إنما جعلت في الحيوان لموضع سلامته « 7 » . وهذه الأجرام أزلية ولا لها أيضا القوى المتخيلة على ما يزعم ابن سينا ، فإن القوى المتخيلة ليس يمكن أن توجد دون الحواسّ ، على ما تبين في علم النفس . والمقصود بالقوى المتخيلة إنما هو ليتحرّك بها الحيوان عن المحسوسات بعد غيبتها ، وذلك أيضا في الأكثر لمكان السلامة . وأيضا لو كان الأمر الأجرام السماوية على ما يقوله ابن سينا من أنها تتخيل الأوضاع التي تتبدّل عليها لم تكن حركتها واحدة ومتصلة ، لتعاقب اختلاف الأمور المتخيلة ، واختلاف أحوال فيها « 8 » ، وإنما الأوضاع لها بضرب من العرض وبإضافة بعضها إلى بعض . وذلك أن الميل الذي يكون لحركة الشمس إنما هو شئ حادث عن وضع فلكها من « 9 » الفلك الأعظم . 27 - وإذا امتنع أن يكون لهذه الأجرام تخيل فليس لها حركات جزئية ،
تلخيص كتاب ما بعد الطبيعة — صفحة 136
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص١٣٦
هامش
( 1 ) ق ، ت ، ح : تجرد .
( 2 ) ت : صور لا وجود لها .
( 3 ) ت : المحركات .
( 4 ) الذي : ساقطة من ت .
( 5 ) ت ، ح : كما تحرك صورة العاشق المعشوق .
( 6 ) ت : متشوقة .
( 7 ) ق : ملاءمته .
( 8 ) ق : واختلاف أحوال الأمور فيها .
( 9 ) ق : شئ عن وضع فلكها . م : شئ حادث لوضع فلكها .