وأيّا ما كانت الصورة التي عرضناها عن القدماء والتزامها بربط قضية التعريف بالماهيّة وانّ الحدّ لا يصدق أساسا إلّا على كشف هذه الماهيّة ومقوّماتها الذاتيّة - فإنّنا نجد أنّ المعلم الثاني الفارابي يميل في منهجه الفلسفي إلى نفي قدرة الإنسان على إدراك ( ذات ) الأشياء ؛ بل هو مدرك لصفاتها فحسب ! . فكأنّ المعرفة ظاهرية وليست مثاليّة جوهرية .
أقول هذا ، في الوقت الذي نلحظ فيه أنّ أبا نصر سلك فيما اخترنا له من حدود ورسوم مسلك المشائية ، وذلك في تأكيده على الماهيّة في كثير من الأحيان ، متجنبا الوقوع في متاهات الظاهرية وإشكالاتها ! . . ولعلّ ظواهريته هذه ، كانت بسبب ما استشعره من صعوبات ( الدلالة الكلّية ) للأشياء وتباين درجاتها في الأحكام والتحديد ؛ بحيث لا تبدو - رغم كلّيتها - مطلقة في المعنى المقصود من مفاهيمها .
ولا بدّ من التأكيد هنا بأنّ الدلالة الكلّية ، في جميع الحالات ، هي أمر ضروري في قيام عملية التعريف الفارابية ؛ خاصة ما يتعلق منها بعناصرها الرئيسة : الجنس القريب والفصل النوعي ( كما أوضحنا من قبل ) . وبشكل عام ، فإنّ كلّ كلّي هو إمّا جنس وإمّا فصل ، وإمّا نوع وإمّا خاصّة ، وإمّا عرض . فما دلّ منه على ماهيّة أعمّ سمي جنسا ، وما دلّ منه على ماهيّة أخصّ سمي نوعا ، وما دلّ منه على إنّية الشيء سمّي فصلا .
في ضوء هذا ، فإنّ الحدّ ، بادئ ذي بدء في رأي أبي نصر ، هو ما كان تركيبه تركيب تقييد ؛ يشرح المعنى المدلول عليه باسم ما ، بالأشياء التي بها قوام ذلك المعنى . أو بعبارة أخرى ؛ هو تلخيص الأجزاء التي بها يتجوهر الشيء ، بحيث يعرف معناه وماهيّته ، ملخصا ومفصلا بالأشياء التي بها قوامه . وبهذا تعود الحدود مؤلفة من أشياء أكثر من واحد ، وبمنزلة ما تؤلّف البراهين . غير أنّ تأليف الحدود يخالف تأليف البرهان من حيث إنّ تأليف أجزاء الحدود صيغته صيغة يكون بها بعض أجزائه حكما والآخر محكوما عليه ،
الفارابي في حدوده ورسومه — صفحة 31
مساهمون: جعفر آل ياسين
ص٣١