الحوار ) سائلا : هل من العدل ، مثلا ، ان نرد لصديق جن سلاحا أو مالا أودعه أمانة عندنا ؟
2 - وإذا قيل إن العدالة هي نفع الأصدقاء ومضرة الأعداء ، يرد سقراط : ان الانسان قد يخدع ، فيصادق الأشرار ويعادي الأخيار ، فتصبح العدالة نفع الشرير ومضرّة الصالح . ثم إن الإساءة إلى الشرير تجعله أسوأ ، فلا يجوز للعادل ان يسيء إلى انسان .
3 - وإذا قيل إن العدالة هي ما فيه نفع الأقوى ، اي نفع الحاكم ، هي خضوع الرعية لقوانين السلطان ، يرد سقراط قائلا : ان الحاكم قد يغلط ، فيضع قوانين مضرة له . ثم إن الحاكم الصالح لا يبغي من وضع القوانين نفعه الخاص ، بل نفع الرعية .
4 - وأخيرا قيل إن العدالة هي قوانين فرضها خوف التظالم : رأى الناس ان مقاساة الظلم أسوأ من اقترافه . لهذا بعد ان تظالم الناس ، وقاسوا وطأة العدوان ، وخبروا العدالة والظلم كليهما . . . رأوا من الخير ان يتفقوا على الّا يظلموا أو يظلموا . ومن هنا نشأت القوانين والمعاهدات ، ودعوا ما قضى به القانون مشروعا عادلا . ذاك هو أصل العدالة وجوهرها » ( الجمهورية 1 - 359 ) .
لدى هذا التحديد رأى سقراط ان يبحث العدالة على نطاق أوسع ، فتبدو بنوع أوضح . رأى أن يبحث ما العدالة في الدولة قبل ان يحدد ما العدالة في الفرد .
يقرر أفلاطون ، بعد ذلك ، ان الاجتماع ظاهرة طبيعية ناشئة من تعدد حاجات الفرد وعجزه عن قضائها وحده . تألف الناس أولا جماعات صغيرة تعاونت على توفير المأكل والمسكن والملبس ، ثم تزايد العدد حتى ألفوا مدينة . فلم تستطع ان تكفي نفسها بنفسها ، فلجأت إلى التجارة والملاحة . هذه المدينة الأولى مدينة الفطرة ، مثال البراءة السعيدة ، ليس لها من حاجات الّا الضروري . ولكن هذا العصر الذهبي انقضى يوم فطن الناس إلى جمال الترف والفن ، فنبتت فيهم حاجات جديدة ، واستحدثوا صناعات لارضائها . وضاقت الأرض بمن عليها ، فنشبت الحروب وتألفت الجيوش .
هذه المدينة الثانية هي المدينة المتحضرة وهي عسكرية .
فعلى اية صورة نبني مدينتنا لنحقق فيها العدالة ؟
يجب ان نشخص بابصارنا إلى « المدينة بالذات » : فنجد ان بينها وبين النفس شبها قويا : فان للمدينة ثلاث وظائف : الإدارة والدفاع والانتاج ، تقابل قوى النفس الثلاث : الناطقة والغضبية والشهوانية . فاذن يجب ان تتركب المدينة من طبقات ثلاث :
الحكام والجند والشعب . الطبقتان الأولى والثانية حراس المدينة ، حراسها من الخلل
الجمع بين رأيي الحكيمين — صفحة 16
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص١٦