والاستغراب بحيث قد يضل الطريق إلى معرفة المنهج الذي سلكه الفارابي في هذا السبيل ، بل قد يقع المحقّق لهذه الرسائل والكتب في الأحكام المبتسرة التي لا تقود حقا إلى معرفة مواقعها وزمن تدوينها .
ومن هنا فسوف نعتمد الحسّ النقدي في هذا الحكم مجتهدين في الرأي قدر ما تسعفنا وسائلنا الحاضرة .
وفي ضوء هذا الذي ذكرنا ، فإننا نعتقد أنه من المهم جدا أن تظهر مؤلفات أبي نصر بنشرات تحقيقية دقيقة ، يلتزم فيها الباحثون جانب الدراسة التاريخية ، والفكرية ، والفكرية والفيلولوجية ، ممّا سيساعد كثيرا على فهم فلسفته ويكشف لنا الغايات التي دفعت الفيلسوف إلى غلبة التكرار في بعض رسائله المتشابهة ، ويوضّح لنا تطوره الفكري في بغداد وحرّان ودمشق . ومن ثمّة استكشاف المنهج المنطقي الذي وضعه صاحب المنطق وحوّره الفارابي في تعليقاته وشروحه وتلخيصاته .
وجدير بالذكر في هذا المجال . إننا نميل إلى أنّ مؤلفات الفارابي السياسية والاجتماعية تأتي بعد مجموعته المنطقية المعروفة ( أعني شروحه المطولة ) فهي إذن - أقصد كتبه السياسية والاجتماعية - لا تبدأ بظهوره الفلسفي بل هي ، في تصورنا ، متأخرة عن بواكيره الأولى وقد يرتفع بعضها إلى مرحلة شموخه الفلسفي ، ويصل البعض الآخر إلى نهايات أيامه على سطح هذه المعمورة 9 . ورأينا هذا متأت من أننا نتبنى أصلا الفكرة التي ترى أن محاولة الفارابي في الإصلاح السياسي ظهرت عندما لمس الفيلسوف انهيار القاعدة الإسلامية ووسائل الحكم فيها ، وتفشي الغدر السياسي في المجتمع آنذاك مما جعله يربط بين تأثراته العامة بالإنجاز الأفلاطوني في هذا السياق ، وبين قيم التعاليم الإسلامية التي لم يسبق تطبيقها فعلا وإنما
الأعمال الفلسفية — صفحة 22
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص٢٢