ويقول سراقة : وقع في نفسي حين لقيت ما لقيت أن سيظهر أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقلت : إن قومك قد جعلوا فيك الدية ، وأخبرهم بما يريد بهم الناس ، وعرض عليهم الزاد والمتاع فلم يأخذا منه شيئا بل قالا له : أخف عنا . فسأله سراقة أن يكتب له كتاب أمن ، فأمر أبا بكر فكتب « 1 » . وبذلك انقضت هذه المشكلة التي أظهر اللّه فيها مزيد عنايته برسوله صلّى اللّه عليه وسلّم .
وكان أهل المدينة حينما سمعوا بخروج رسول اللّه وقدومه عليهم يخرجون إلى الحرة « 2 » حتى يردهم حرّ الظهيرة ، فانقلبوا يوما بعد أن أطالوا انتظارهم ، فلمّا أووا إلى بيوتهم أو في رجل من يهود أطم « 3 » من اطامهم لأمر ينظر إليه ، فبصر برسول اللّه وأصحابه يزول بهم السراب يظهرهم تارة ويخفيهم أخرى ، فقال اليهوديّ بأعلى صوته : يا معشر العرب هذا جدّكم أي حظكم الذي تنتظرون ، فثاروا إلى السلاح فتلقّوا رسول اللّه بظهر الحرة « 4 » .
النزول بقباء « 5 »
فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوف بقباء ، والذي حققه المرحوم محمود باشا الفلكي أن ذلك كان في اليوم الثاني من ربيع الأول الذي يوافق 20 سبتمبر سنة 622 ، وهذا أول تاريخ جديد « 6 » لظهور الإسلام بعد أن مضى عليه ثلاث عشرة سنة ، وهو مضيق عليه من مشركي قريش ، ورسول اللّه ممنوع من الجهر بعبادة ربه ، أما الان فقد أواه اللّه هو وصحابته رضوان اللّه عليهم بعد أن كانوا قليلا يتخطفهم الناس .
هامش
( 1 ) وفي سيرة ابن كثير عن الزهري أنه أمر عامر بن فهيرة فكتب له في رقعة من أديم ثم مضى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في البخاري باختصار .
( 2 ) هي الأرض ذات الحجارة السود وكانت المدينة محاطة بجملة حرات ( المؤلف ) .
( 3 ) تل . ( المؤلف ) .
( 4 ) وقد تقدّم مثل ذلك في سياق البخاري ، وكذا ذكر موسى بن عقبة في مغازيه .
( 5 ) وصل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يوم الاثنين من شهر ربيع الأوّل قرب الظهر ونزل بقباء على كلثوم بن الهدم بن امرئ القيس وأقام عنده أربعة أيام ، وقرية قباء على ميلين من جنوب المدينة ، وهي خصبة بها حدائق ، وأقام بها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أربعة أيام ، أسس فيها مسجد قباء .
( 6 ) لما أراد المسلمون في خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وضع التاريخ ، جعلوا مبدأه من هذه الهجرة الشريفة ، ولعدم المخالفة بين مبدأ الهجرة وبدء السنة الهلالية قدموا ميعاد الهجرة شهرين وأياما ، وجعلوا بدء الهجرة من محرم سنتها . ( المؤلف ) .