عليه الصلاة والسلام يؤلّفهم ، ولا ينفّرهم ، ويكرم كريم كلّ قوم ويولّيه عليهم ، ويحذّر الناس ، ويحترس منهم ، من غير أن يطوي عن أحد منهم بشره ، ولا خلقه ، يتفقّد أصحابه ، ويعطي كل جلسائه نصيبه ، لا يحسب جليسه أنّ أحدا أكرم عليه منه . من جالسه أو قاربه لحاجة صابره حتى يكون هو المنصرف عنه ، ومن سأله حاجة لم يردّه إلّا بها ، أو بميسور من القول ، قد وسع الناس بسطه وخلقه ، فصار لهم أبا ، وصاروا عنده في الحقّ سواء ، بهذا وصفه ابن أبي هالة « 1 » ، وكان دائم البشر ، سهل الخلق ، ليّن الجانب ، ليس بفظّ ولا غليظ ، ولا صخّاب ، ولا فحّاش ، ولا عيّاب ، ولا مدّاح ، يتغافل عما لا يشتهي ، ولا يؤيس منه . قال تعالى
فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ
« 2 » وقال تعالى :
ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ
« 3 » وكان عليه الصلاة والسلام يجيب من دعاه ، ويقبل الهدية ، ولو كانت كراعا « 4 » ويكافئ عليها ، وكان يمازح أصحابه ، ويخالطهم ويحادثهم ، ويداعب صبيانهم ، ويجلسهم في حجره ، ويجيب دعوة الحر والعبد ، والأمة والمسكين ، ويعود المرضى في أقصى المدينة ، ويقبل عذر المعتذر . وقال أنس : ما التقم أحد أذن النبي فينحّي رأسه حتى يكون الرجل هو الذي ينحّي رأسه ، وما أخذ أحد بيده فيرسل يده حتى يرسلها الاخر . وكان يبدأ من لقيه بالسلام ، ويبدأ أصحابه بالمصافحة ، لم ير قطّ مادّا رجليه بين أصحابه حتى يضيّق بهما على أحد « 5 » ، يكرم من يدخل عليه ، وربما بسط له ثوبه ، ويؤثره بالوسادة التي تحته ، ويعزم عليه في الجلوس عليها إن أبى ، ويكنّي أصحابه ، ويدعوهم بأحبّ أسمائهم تكرمة لهم ، ولا يقطع على أحد حديثه حتى يتجوز ، فيقطعه بنهي أو قيام ، وكان أكثر الناس تبسما ، وأطيبهم نفسا ، ما لم ينزل عليه قران ، أو يعظ ، أو يخطب .
هامش
( 1 ) هو هند بن أبي هالة ، كان ربيب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو ابن خديجة رضي اللّه عنها من زوجها أبي هالة ، وقد تزوجها قبل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم .
( 2 ) سورة آل عمران اية 159 .
( 3 ) سورة فصلت اية 34 .
( 4 ) وهو مستدق الساق في البقر والغنم .
( 5 ) رواه الدارقطني في غريب مالك وضعفه .