نأمن من نساء بني الأصفر ، وجاء إليه المعذّرون من الأعراب - وهم أصحاب الأعذار من ضعف أو قلة - ليؤذن لهم ، فأذن لهم ، وكذلك استأذن كثير من المنافقين فأذن لهم ، وقد عتب اللّه عليه في ذلك الإذن بقوله في سورة براءة :
عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ
« 1 » ثم قال في حقهم :
إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ
« 2 » ثم كذبهم اللّه في عذرهم فقال :
* وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ
« 3 » ثم لكيلا ياسى المسلمون على قعود المنافقين عنهم قال جلّ ذكره :
لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ
« 4 » . وتخلّف جماعة من المسلمين لا يتّهمون في إسلامهم منهم كعب ابن مالك « 5 » ، وهلال بن أمية « 6 » ، ومرارة بن الربيع « 7 » وأبو خيثمة « 8 » . ولما خلّف صلّى اللّه عليه وسلّم عليا ، قال المنافقون : قد استثقله فتركه ، فأسرع إلى رسول اللّه وشكا له ما سمع ، فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى ؟ » « 9 » . ثم سار صلّى اللّه عليه وسلّم بالجيش ، وأعطى لواءه الأعظم أبا بكر الصّدّيق ، وفي إعطاء اللواء لأبي بكر اخر غزوة للرسول وتخليف عليّ على أهل البيت حكمة لطيفة يفهمها القارئ .
وفرّق عليه الصلاة والسلام الرايات ، فأعطى الزبير راية المهاجرين ، وأسيد بن حضير راية الأوس ، والحباب بن المنذر راية الخزرج ، ولمّا مرّ الجيش بالحجر وهي ديار ثمود قال صلّى اللّه عليه وسلّم لأصحابه : « لا تدخلوا ديار الذين ظلموا إلّا وأنتم
هامش
( 1 ) اية 43 .
( 2 ) سورة التوبة اية 45 .
( 3 ) سورة التوبة اية 46 .
( 4 ) سورة التوبة اية 47 . والخبال : الهلاك والفساد الذي يورث الاضطراب . ولأوضعوا خلالكم : لأسرعوا في إيقاع الشر بينكم .
( 5 ) شهد العقبة وبايع فيها وتخلف عن بدر وشهد أحدا وما بعدها ، ولم يشترك في حرب علي ومعاوية . مات بالشام في خلافة معاوية .
( 6 ) الأنصاري شهد بدرا وما بعدها .
( 7 ) الأنصاري الأوسي من بني عمرو بن عوف شهد بدرا على الصحيح .
( 8 ) الأنصاري السالمي أحد بني سالم من الخزرج شهد أحدا مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وبقي إلى أيام يزيد بن معاوية .
( 9 ) رواه الشيخان وتتمته غير أنه لا نبي بعدي .