على النصب « 1 » وحرّم شرب الخمر على نفسه مع شيوعه في قومه شيوعا عظيما .
وذلك كلّه من الصفات التي يحلّي اللّه بها أنبياءه ليكونوا على تمام الاستعداد لتلقّي وحيه ، فهم معصومون من الأدناس قبل النبوة وبعدها : أمّا قبل النبوة فليتأهّلوا للأمر العظيم الذي سيسند إليهم . وأمّا بعدها فليكونوا قدوة لأممهم .
عليهم من اللّه أفضل الصلوات وأتم التسليمات .
ما أكرمه اللّه به قبل النبوّة
أوّل منحة من اللّه ما حصل من البركات على ال حليمة الذين كان مسترضعا فيهم . فقد كانوا قبل حلوله بناديهم مجدبين « 2 » فلمّا صار بينهم صارت غنيماتهم تؤوب من مرعاها وإن أضراعها لتسيل لبنا ويرحم اللّه البوصيري حيث يقول في همزيته :
وإذا سخّر الإله أناسا * لسعيد فإنّهم سعداء
ثمّ أعقب ذلك ما حصل من شق صدره وإخراج حظّ الشيطان منه « 3 » ، وليس هذا بالعجيب على قدرة اللّه تعالى ، فمن استبعد ذلك كان قليل النظر . لا يعرف من قوّة اللّه شيئا ، لأن خرق العادات للأنبياء ليس بالأمر المستحدث ولا المستغرب .
ومن المكرمات الإلهية تسخير الغمامة له في سفره إلى الشام حتى كانت تظله في اليوم الصائف لا يشترك معه أحد في القافلة ، كما روى ذلك ميسرة غلام خديجة الذي كان مشاركا له في سفره وهذا ما حبّبه إلى خديجة حتى خطبته لنفسها ، وتيقّنت أن له في المستقبل شأنا . ولذلك لما جاءته النبوّة كانت أسرع الناس إيمانا به ، ولم تنتظر اية أخرى زيادة على ما علمته من مكارم الأخلاق ، وما سمعته من خوارق العادت .
ومن منن اللّه عليه ما كان يسمعه من السلام عليه من الأحجار والأشجار « 4 » ،
هامش
( 1 ) هي حجارة تنصب وتصب عليها دماء الذبائح وتعبد . المؤلف .
( 2 ) الجدب ضد الخصب ، وهي الأرض لا تكاد تخصب لاحتباس الماء عنها .
( 3 ) أي من قلبه .
( 4 ) السيرة الحلبية . المؤلف .