والثبات ، ثم رجع إلى عريشه ومعه رفيقه أبو بكر وحارسه سعد بن معاذ واقف على باب العريش متوشّح سيفه ، وكان من دعاء الرسول عليه الصلاة والسلام ذاك الوقت كما جاء في صحيح البخاري « اللهم أنشدك عهدك ووعدك اللهم ان شئت لم تعبد » ) فقال أبو بكر : حسبك فإن اللّه سينجز لك وعدك « 1 » . فخرج عليه الصلاة والسلام من العريش وهو يقول
سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ
« 2 » . ثم قال عليه الصلاة والسلام يحرض الجيش : « والذي نفس محمّد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرا محتسبا ، مقبلا غير مدبر ، إلا أدخله اللّه الجنّة ، ومن قتل قتيلا فله سلبه » فقال عمير بن الحمام « 3 » وبيده تمرات يأكلها : بخ بخ « 4 » ، ما بيني وبين أن أدخل الجنّة ألا أن يقتلني هؤلاء ، ثم قذف التمرات من يده ، وأخذ سيفه ، وقاتل حتى قتل « 5 » ، واشتدّ القتال ، وحمي الوطيس . وأيّد اللّه المسلمين بالملائكة بشرى لهم ولتطمئن به قلوبهم ، فلم تكن إلّا ساعة حتى هزم الجمع ، وولوا الدّبر ، وتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون ، فقتل من المشركين نحو السبعين منهم من قريش عتبة « 6 » وشيبة ابنا ربيعة ، والوليد بن عتبة قتلوا مبارزة أول القتال « 7 » ، وأبو البختري بن هشام « 8 » ، والجرّاح والد أبي عبيدة قتله ابنه بعد أن ابتعد عنه فلم يزدجر ، وقتل أمية بن خلف وابنه علي ، اشترك في قتلهما جماعة من الأنصار مع بلال بن رباح وعمّار بن ياسر ، وقد سعيا في ذلك لما كان يفعله بهما أمية في مكّة . ومن القتلى حنظلة بن أبي سفيان ، وأبو جهل بن هشام أثخنه فتيان صغيران « 9 » من الأنصار ،
هامش
( 1 ) رواه الشيخان والترمذي .
( 2 ) سورة القمر اية 45 .
( 3 ) كان أول قتيل في سبيل اللّه في الحرب . وفي حديث مسلم والبخاري : أن هذه القصة كانت أيضا يوم أحد لكنه لم يسمّ فيها عميرا ، ولا غيره فاللّه أعلم .
( 4 ) هي كلمة معناها التعجب وفيها لغات بسكون الخاء وبكسرها مع التنوين وبتشديدها منوّنة وغير منونة .
( 5 ) قتله خالد بن الأعلم .
( 6 ) قال ابن هشام : اشترك فيه هو وحمزة وعلي .
( 7 ) قال ابن إسحاق : شيبة قتله حمزة والوليد قتله علي بن أبي طالب .
( 8 ) قتله المجذّر بن زياد البلوي .
( 9 ) ضربه معاذ بن عمرو بن الجموح فقطع رجله وضرب ابنه عكرمة يد معاذ فطرحها ثم ضربه معوّذ بن عفراء حتى أثبته ، ثم تركه وبه رمق ، ثم دفق عليه عبد اللّه بن مسعود واحتز رأسه ، حين أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يلتمس في القتلى . وفي صحيح مسلم أنهما معاذ بن عفراء ، ومعاذ بن عمر بن الجموح وأصح من هذا كله حديث أنس حيث قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : من يأتيني بخبر أبي جهل ، في الحديث وفيه أن بني عفراء قتلاه .