فقال معاوية : كيف أصنع بك ؟ ! قد قطعنا أصحابك . فقالت امّ السارق : يا أمير المؤمنين ! اجعلها في ذنوبك الّتي تتوب منها ؛ فخلّى سبيله ؛ فكان أوّل حد ترك في الإسلام » « 1 » .
قال الأميني :
أفهل عرف معاوية من هذا اللصّ خصوصيّة استثنته من حكم الكتاب النهائيّ العامّ :
وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما
« 2 » ؟ !
أم أنّ الرأفة بامّه تركت حدّا من حدود اللّه لم يقم ، وفي الذكر الحكيم :
وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ
« 3 » .
تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ
« 4 » .
وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها
« 5 » .
أم أنّه كان لمعاوية مؤمّن من العقاب غدا وإن تعمّد اليوم إلغاء حدّ من حدود اللّه ؟ ! وهل نيّة التوبة عن المعصية تبيح اجتراح تلك السيّئة ؟ ! إنّ هذا لشيء عجاب .
ومن ذا الّذي طمّنه بأنّه سيوفّق للتوبة عنها ولا يحول بينه وبينها ذنوب تسلبه التوفيق ، أو عظائم تسلبه الإيمان ، أو استخفاف بالشريعة ينتهي به إلى نار الخلود ؟ !
ويظهر منه : أنّ التعمّد لاقتراف الذنوب بأمل التوبة كان مطّردا عند معاوية . وهذا ممّا يخلّ بأنظمة الشريعة ، ونواميس الدين ، وطقوس الإسلام ؛ فإنّ النفوس الشريرة إنّما تترك أكثر المعاصي خوفا من العقوبة الفعليّة ؛ فإن زحزحت عنها بأمثال هذه التافهات لم يبق محظور يفسد النفوس ، ويقلق السلام ، ويعكّر صفو الإسلام إلّا وقد عمل به ، وهذا نقض لغاية التشريع ، وإقامة الحدود الكابحة لجماح الجرأة على اللّه ورسوله .
هامش
( 1 ) - الأحكام السلطانيّة : 219 [ 2 / 228 ] ؛ تاريخ ابن كثير 8 : 136 [ 8 / 145 ، حوادث سنة 60 ه ] ؛ محاضرة السكتواري : 164 .
( 2 ) - المائدة : 38 .
( 3 ) - الطلاق : 1 .
( 4 ) - البقرة : 229 .
( 5 ) - النساء : 14 .