ولو كانت على المكلّف بقيّة من الواجب بعد الزكاة لم يؤدّها فما معنى الفلاح الّذي وصف اللّه تعالى به المؤمنين :
قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ . الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ . وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ . وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ
؟ ! « 1 » .
ولو كان لأبي ذر أدنى شذوذ عن الطريقة المثلى في حكم إلهيّ ، شذوذا يخلّ بنظام المجتمع ويقلق السلام والوئام ، وتكثر حوله القلاقل ، وفيه إثارة العواطف والإخلال بالأمن أو التزحزح عن مبادئ الإسلام ، لكان مولانا أمير المؤمنين عليه السّلام أوّل من يردعه ويحبسه عن قصده السيّئ وأبو ذر أطوع له من الظلّ لذيه ؛ لكنّه عليه السّلام بدلا عن ذلك يقول :
« غضبت للّه فارج من غضبت له » . ويقول : « واللّه ما أردت تشييع أبي ذر إلّا للّه » .
ويقول لعثمان : « اتّق اللّه فإنّك سيّرت رجلا صالحا من المسلمين فهلك في تسييرك » .
وأمير المؤمنين من تعرفه بتنمّره في ذات اللّه لا تأخذه في اللّه لومة لائم ، وهو مع الحقّ والحقّ معه في كلّ ما يقول ويفعل .
وهل ترى أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله مع أنّه كان يعلم أنّ أبا ذر سوف ينوء في اخرياته بدعوة باطلة كهذه طفق ينوّه به ، ويعرّفه بين الملأ بصفات فاضلة تكبر مقامه ، وتعظّم مكانته عند الجامعة « 2 » ، وتمكّنه من القلوب الصالحة ؟ ! فيكون صلّى اللّه عليه وآله مؤيّدا له على عيشه ، ومؤسّسا لباطله ، ومعرّفا لضلاله . حاشا رسول العظمة من مثل ذلك .
فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ
« 3 » .
قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا
« 4 » .
إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ
« 5 » .
ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبائِهِمْ
« 6 » .
هامش
( 1 ) - المؤمنون : 1 - 4 .
( 2 ) - [ أي : المجتمع الإسلامي ] .
( 3 ) - الأنعام : 144 .
( 4 ) - الأنعام : 148 .
( 5 ) - النور : 15 .
( 6 ) - الكهف : 5 .