ولحرماتهم - إذا انتهكت - أعظم ممّا يغضب للّه ، ويستبشر بذكرهم ، سيّما إذا ذكر عنهم ما ليس فيهم من إغاثة اللّه فان ، وكشف الكربات وقضاء الحاجات ، وأنّهم الباب بين اللّه وبين عباده ، فإنّك ترى الواحد منهم يفرح ويسرّ ويحنّ قلبه ، أمّا إذا ذكر اللّه وحده وجرّدت توحيده لحقته وحشة وضيق حرج ورماك بنقص الإلهيّة الّتي له ، وربّما عاداك « 1 » .
وقال الشّيخ ابن باز - مدّ اللّه في عمره - : إنّ دعاء غير اللّه من الأموات والأشجار والأصنام وغيرها شرك باللّه عزّ وجلّ ينافي العبادة الّتي خلق اللّه الثّقلين من أجلها ، وأرسل الرّسل وأنزل الكتب لبيانها والدّعوة إليها وهذا هو معنى « لا إله إلّا اللّه » أي لا معبود بحقّ إلّا اللّه ، فهي تنفي العبادة عن غير اللّه ، وتثبتها للّه ، وهذا هو أصل الدّين الأوّل ، أمّا الأصل الثّاني فهو أنّه لا يعبد إلّا بشريعة نبيّه ورسوله محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهذا معنى شهادة أنّ لا إله إلّا اللّه وأنّ محمّدا رسول اللّه ، فمن دعا الأموات من الأنبياء وغيرهم ، أو دعا الأصنام أو الأشجار أو الأحجار أو غير ذلك من المخلوقات أو استغاث بهم فقد اتّخذهم أربابا من دون اللّه ، وجعلهم أندادا للّه ، وهذا يناقض أصل الإيمان وينافي معنى الشّهادتين ، كما أنّ من ابتدع في الدّين شيئا لم يأذن به اللّه لم يحقّق معنى شهادة أنّ محمّدا رسول اللّه . وكلّ عمل مبتدع لم يأذن به اللّه يكون يوم القيامة هباء منثورا لأنّه لم يوافق شرعه المطهّر « 2 » .
2 - الزيارة البدعية للمقابر :
قال الإمام ابن تيميّة - رحمه اللّه تعالى - : زيارة قبور المسلمين على وجهين : زيارة شرعيّة ، وزيارة بدعيّة .
فأمّا الزّيارة الشّرعيّة فمقصودها الدّعاء للميّت ، كما أنّ الصّلاة عليه دعاء له ، وكان صلّى اللّه عليه وسلّم إذا دفن الرّجل من أمّته يقوم على قبره ويقول : « سلوا اللّه له التّثبيت فإنّه الآن يسأل » « 3 » . وكان صلّى اللّه عليه وسلّم يزور قبور أهل البقيع والشّهداء بأحد ، ويعلّم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقول أحدهم : « السّلام عليكم أهل الدّيار من المؤمنين والمسلمين ، وإنّا إن شاء اللّه تعالى بكم لا حقون ، ويرحم اللّه المستقدمين منّا والمستأخرين ، نسأل اللّه لنا ولكم العافية ، اللّهمّ لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنّا بعدهم » « 4 » .
أمّا الزّيارة البدعيّة فهي الّتي يقصد بها أن يطلب من الميّت الحوائج ، أو يطلب منه الدّعاء ( له ) والشّفاعة ، أو يقصد الدّعاء عند قبره لظنّ القاصد أنّ ذلك أجوب للدّعاء . فالزّيارة على هذه الوجوه كلّها
هامش
( 1 ) مدارج السالكين 1 / 370 - 371 ( بتصرف واختصار ) .
( 2 ) إقامة البراهين على حكم من استغاث بغير اللّه أو صدّق الكهنة والعرّافين للشيخ عبد العزيز بن عبد اللّه بن باز ص 14 .
( 3 ) رواه أبو داود ج 3 ص 215 حديث رقم ( 3221 ) عن عثمان بن عفان - رضي اللّه عنه - ونصّه عنده « استغفروا لأخيكم وسلوا له التّثبيت فإنه الآن يسأل » .
( 4 ) رواه مسلم عن بريدة ، وبعضه عن عائشة ، انظر صحيح مسلم 2 / 671 ، حديث رقم ( 974 - 975 ) .