السّموأل لا أدفعها إلّا لمستحقّها . وأبى أن يدفع إليه منها شيئا ، فعاوده فأبى ، وقال لا أغدر بذمّتي ، ولا أخون أمانتي ، ولا أترك الوفاء الواجب عليّ . فقصده ذلك الملك من كندة بعسكره فدخل السّموأل في حصنه ، وامتنع به . فحاصره ذلك الملك ، وكان ولد السّموأل خارج الحصن فظفر به ذلك الملك فأخذه أسيرا ثمّ طاف حول الحصن وصاح بالسّموأل . فأشرف عليه من أعلى الحصن . فلمّا رآه قال له : إنّ ولدك قد أسرته ، وها هو معي ، فإن سلّمت إليّ الدروع والسّلاح الّتي لامرىء القيس عندك ، رحلت عنك وسلّمت إليك ولدك ، وإن امتنعت من ذلك ذبحت ولدك وأنت تنظر ، فاختر أيّهما شئت . فقال له السّموأل : ما كنت لأخفر ذمامي ، وأبطل وفائي ، فاصنع ما شئت . فذبح ولده وهو ينظر . ثمّ لمّا عجز عن الحصن رجع خائبا ، واحتسب السّموأل ذبح ولده وصبر ، محافظة على وفائه . فلمّا جاء الموسم وحضر ورثة امرئ القيس سلّم إليهم الدّروع والسّلاح . ورأى حفظ ذمامه ورعاية وفائه أحبّ إليه من حياة ولده وبقائه . فصارت الأمثال في الوفاء تضرب بالسّموأل ، وإذا مدحوا أهل الوفاء في الأنام ذكر السّموأل في الأوّل . وكم أعلى الوفاء رتبة من اعتقله بيديه ، وأغلى قيمة من جعله نصب عينيه ، واستنطق الأفواه لفاعله بالثّناء عليه ، واستطلق الأيدي المقبوضة عنه بالإحسان إليه » ) * « 1 » .
16 - * ( قال الشّاعر :
سقى اللّه أطلال الوفاء بكفّه * فقد درست أعلامه ومنازله
) * « 2 » .
من فوائد ( الوفاء )
( 1 ) من أوفى بعهد اللّه من توحيده وإخلاص العبادة له ، أوفى اللّه بعهده من توفيقه إلى الطّاعات وأسباب العبادات .
( 2 ) الّذين يوفون بعهد اللّه ، هم أولو الألباب وهم الّذين باعوا أنفسهم وأموالهم للّه فوعدهم أنّ لهم الجنّة ومن أوفى بعهده من اللّه ؟
( 3 ) مدح اللّه الموفين بعهودهم كثيرا في القرآن .
( 4 ) الوفاء صفة أساسيّة في بنية المجتمع الإسلاميّ ، حيث تشمل سائر المعاملات ، إذ كلّ المعاملات والعلاقات الاجتماعيّة والوعود والعهود تتوقّف على الوفاء ، فإذا انعدم الوفاء انعدمت الثّقة ، وساء التّعامل وساد التّنافر .
( 5 ) من أهمّ الوفاء ، الوفاء بالعهود من بيعة وبيع ودين ونذر وشروط تتعلّق بالمعاملات الماليّة والاجتماعيّة
( 6 ) المسلم المتمسّك بالوفاء في كلّ أحواله يجد في نفسه سعادة عظيمة عندما يوفّي حقوق اللّه - عزّ وجلّ كاملة وحقوق إخوانه المسلمين . ولا ينسى حقّ أهله ونفسه عليه فيعطي كلّ ذي حقّ حقّه .
هامش
( 1 ) المستطرف ( 1 / 289 ) .
( 2 ) المستطرف ( 1 / 289 - 291 ) .