فبعث إليهم ملكا . فأتى الأبرص فقال : أيّ شيء أحبّ إليك ؟ قال : لون حسن وجلد حسن ويذهب عنّي الّذي قد قذرني « 1 » النّاس . قال : فمسحه فذهب عنه قذره وأعطي لونا حسنا وجلدا حسنا . قال : فأيّ المال أحبّ إليك ؟ قال : الإبل ( أو قال البقر . شكّ إسحاق ) إلّا أنّ الأبرص والأقرع قال أحدهما : الإبل .
وقال الآخر : البقر قال : فأعطي ناقة عشراء « 2 » . فقال :
بارك اللّه لك فيها . قال : فأتى الأقرع فقال : أيّ شيء أحبّ إليك ؟ قال : شعر حسن ويذهب عنّي هذا الّذي قذرني النّاس . قال : فمسحه ، فذهب عنه ، وأعطي شعرا حسنا . قال : فأيّ المال أحبّ إليك ؟
قال : البقر . فأعطي بقرة حاملا . فقال : بارك اللّه لك فيها . قال : فأتى الأعمى فقال : أيّ شيء أحبّ إليك ؟
قال : أن يردّ اللّه إليّ بصري فأبصر به النّاس .
قال : فمسحه فردّ اللّه إليه بصره . قال : فأيّ المال أحبّ إليك ؟ قال : الغنم . فأعطي شاة والدا « 3 » . فأنتج هذان وولّد هذا « 4 » . قال : فكان لهذا واد من الإبل . ولهذا واد من البقر . ولهذا واد من الغنم . قال : ثمّ إنّه أتى الأبرص في صورته وهيئته « 5 » . فقال : رجل مسكين . قد انقطعت بي الحبال « 6 » في سفري . فلا بلاغ لي اليوم إلّا باللّه ثمّ بك . أسألك ، بالّذي أعطاك اللّون الحسن والجلد الحسن والمال ، بعيرا أتبلّغ عليه في سفري .
فقال : الحقوق كثيرة . فقال له : كأنّي أعرفك . ألم تكن أبرص يقذرك النّاس ؟ فقيرا فأعطاك اللّه ؟ فقال : إنّما ورثت هذا المال كابرا عن كابر « 7 » . فقال : إن كنت كاذبا ، فصيّرك اللّه إلى ما كنت . قال : وأتى الأقرع في صورته فقال له مثل ما قال لهذا . وردّ عليه مثل ما ردّ على هذا . فقال : إن كنت كاذبا فصيّرك اللّه إلى ما كنت .
قال : وأتى الأعمى في صورته وهيئته . فقال : رجل مسكين وابن سبيل . انقطعت بي الحبال في سفري .
فلا بلاغ لي اليوم إلّا باللّه ثمّ بك . أسألك ، بالّذي ردّ عليك بصرك ، شاة أتبلّغ بها في سفري . فقال : قد كنت أعمى فردّ اللّه إليّ بصري . فخذ ما شئت . ودع ما شئت . فو اللّه لا أجهدك اليوم « 8 » شيئا أخذته للّه .
فقال : أمسك مالك . فإنّما ابتليتم . فقد رضي عنك وسخط على صاحبيك » ) * « 9 » .
هامش
( 1 ) قذرني الناس : أي اشمأزوا من رؤيتي .
( 2 ) ناقة عشراء : هي الحامل القريبة الولادة .
( 3 ) شاة والدا : أي وضعت ولدها ، وهو معها .
( 4 ) فأنتج هذان وولد هذا : هكذا الرواية : فأنتج ، رباعي وهي لغة قليلة الاستعمال . والمشهور نتج ، ثلاثي . وممن حكى اللغتين الأخفش . ومعناه تولى الولادة ، وهي النتج والإنتاج . ومعنى ولد هذا ، بتشديد اللام ، معنى أنتج . والنتاج للإبل ، والمولد للغنم وغيرها ، هو كالقابلة للنساء .
( 5 ) أي جاءه في صورة رجل أبرص - كما كان كذلك قبل أن يمسحه الملك .
( 6 ) انقطعت بي الحبال : هي الأسباب . وقيل : الطرق .
( 7 ) إنما ورثت هذا المال كابرا عن كابر : أي ورثته من آبائي الذين ورثوه من آبائهم ، كبيرا عن كبير ، في العز والشرف والثروة .
( 8 ) أجهدك : معناه لا أشق عليك برد شيء تأخذه .
( 9 ) البخاري - الفتح 6 ( 3464 ) . ومسلم ( 2964 ) واللفظ له .