2 - * ( قيل لمعاوية : من أسود النّاس ؟ قال :
« أسخاهم نفسا حين يسأل ، وأحسنهم في المجالس خلقا ، وأحلمهم حين يستجهل » ) * « 1 » .
3 - * ( ذكر بعض خصال النّبلاء * :
قال ابن الجوزيّ : خلقت لي همّة عالية تطلب الغايات . فقلّت السّنّ وما بلغت ما أمّلت ، فأخذت أسأل تطويل العمر ، وتقوية البدن ، وبلوغ الآمال .
فأنكرت عليّ العادات ، وقالت : ما جرت عادة بما تطلب . فقلت : إنّما أطلب من قادر يخرق العادات .
وقد قيل لرجل : لنا حويجة . فقال : اطلبوا لها رجيلا .
وقيل لآخر : جئناك في حاجة لا ترزؤك ، فقال :
هلّا طلبتم لها سفاسف النّاس ؟ .
فإذا كان أهل الأنفة من أرباب الدّنيا يقولون هذا ، فلم لا نطمع في فضل كريم قادر ؟ « 2 » .
إلى أن يقول : فاللّه اللّه ، وعليكم بملاحظة سير السّلف ، ومطالعة تصانيفهم ، وأخبارهم ، فالاستكثار من مطالعة كتبهم رؤية لهم ، كما قال :
فاتني أن أرى الدّيار بطرفي * فلعلّي أرى الدّيار بسمعي
وإنّي أخبر عن حالي ، ما أشبع من مطالعة الكتب ، وإذا رأيت كتابا لم أره ، فكأنّي وقعت على كنز .
ولقد نظرت في ثبت الكتب الموقوفة في المدرسة النّظاميّة ، فإذا به يحتوي على نحو ستّة آلاف مجلّد ، وفي ثبت كتب أبي حنيفة ، وكتب الحميديّ ، وكتب شيخنا عبد الوهّاب وابن ناصر ، وكتب أبي محمّد بن الخشّاب ، وكانت أحمالا ، وغير ذلك من كلّ كتاب أقدر عليه .
ولو قلت : إنّي طالعت عشرين ألف مجلّد كان أكثر وأنا بعد في الطّلب . فاستفدت بالنّظر فيها من ملاحظة سير القوم ، وقدر هممهم ، وحفظهم ، وعباداتهم ، وغرائب علومهم ، ما لا يعرفه من لم يطالع .
فصرت أستزري ما النّاس فيه ، وأحتقر همم الطلّاب وللّه الحمد .
وقال أيضا : ما يتناهى في طلب العلم إلّا عاشق العلم ، والعاشق ينبغي أن يصبر على المكاره ، ومن ضرورة المتشاغل به البعد عن الكسب ، ومذ فقد التّفقّد لهم من الأمراء ومن الإخوان لازمهم الفقر ضرورة . والفضائل تنادي :
هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً
.
فكلّما خافت من ابتلاء قالت :
لا تحسب المجد تمرا أنت آكله * لن تبلغ المجد حتّى تلعق الصّبرا
ولمّا آثر أحمد بن حنبل - رحمه اللّه تعالى - طلب العلم وكان فقيرا ، بقي أربعين سنة يتشاغل به ولا يتزوّج ، فينبغي للفقير أن يصابر فقره كما فعل أحمد .
ومن يطيق ما أطاق ! ؟ فقد ردّ من المال خمسين ألفا ،
هامش
( 1 ) المنتقى من مكارم الأخلاق ( 116 ) .
* ومن يتعشق أخبار النبلاء فعليه مراجعة كتاب « سير أعلام النبلاء » للذهبي . وكتاب « تعريف ذوي العلا بمن لم يذكره الذهبي في النبلا » لمؤرّخ مكة الشهير تقي الدّين الفاسي .
( 2 ) صيد الخاطر ( 297 ) .