لا محالة .
السّادس : مشاهدة برّه وإحسانه وآلائه ، ونعمه الباطنة والظّاهرة . فإنّها داعية إلى محبّته .
السّابع : وهو من أعجبها ، انكسار القلب بكلّيّته بين يدي اللّه تعالى . وليس في التّعبير عن هذا المعنى غير الأسماء والعبارات .
الثّامن : الخلوة به وقت النّزول الإلهيّ ، لمناجاته وتلاوة كلامه ، والوقوف بالقلب والتّأدّب بأدب العبوديّة بين يديه . ثمّ ختم ذلك بالاستغفار والتّوبة .
التّاسع : مجالسة المحبّين الصّادقين ، والتقاط أطيب ثمرات كلامهم كما تنتقى أطايب الثّمر . ولا تتكلّم إلّا إذا ترجّحت مصلحة الكلام ، وعلمت أنّ فيه مزيدا لحالك ، ومنفعة لغيرك .
العاشر : مباعدة كلّ سبب يحول بين القلب وبين اللّه - عزّ وجلّ - والكلام في هذه المنزلة معلّق بطرفين : طرف محبّة العبد لربّه ، وطرف محبّة الرّبّ لعبده . والّذي أجمع عليه العارفون : أنّه يحبّهم ، وأنّهم يحبّونه ، على إثبات الطّرفين ، وأنّ محبّة العبد لربّه فوق كلّ محبّة تقدّر . ولا نسبة لسائر المحابّ إليها . وهي حقيقة « لا إله إلّا اللّه » وكذلك عندهم محبّة الرّبّ لأوليائه ورسله : صفة زائدة على رحمته ، وإحسانه وعطائه . فإنّ ذلك أثر المحبّة وموجبها . فإنّه لمّا أحبّهم كان نصيبهم من رحمته وإحسانه وبرّه أتمّ نصيب .
وقال تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ
( المائدة / 54 ) .
فقد ذكر أربع علامات :
الأولى والثّانية : أنّهم : أذلّة ، أعزّة . قيل : معناه :
أرقّاء رحماء مشفقين عليهم . عاطفين عليهم ، فلمّا ضمّن « أذلّة » هذا المعنى عدّاه بأداة « على » قال عطاء :
للمؤمنين كالولد لوالده ، والعبد لسيّده ، وعلى الكافرين كالأسد على فريسته
أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ
.
العلامة الثّالثة : الجهاد في سبيل اللّه بالنّفس واليد ، واللّسان والمال ، وذلك تحقيق دعوى المحبّة .
العلامة الرّابعة : أنّهم لا تأخذهم في اللّه لومة لائم . وهذا علامة صحّة المحبّة ، فكلّ محبّ يأخذه اللّوم عن محبوبه فليس بمحبّ على الحقيقة . والقرآن والسّنّة مملوءان بذكر من يحبّه اللّه سبحانه من عباده المؤمنين .
وذكر ما يحبّه من أعمالهم وأقوالهم وأخلاقهم . كقوله تعالى :
وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ
( آل عمران / 146 ) ،
وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ *
( آل عمران / 134 ، 148 ) . فلو بطلت مسألة المحبّة لبطلت جميع مقامات الإيمان والإحسان . ولتعطّلت منازل السّير إلى اللّه . فإنّها روح كلّ مقام ومنزلة وعمل . فإذا خلا منها فهو ميّت لا روح فيه . ونسبتها إلى الأعمال كنسبة الإخلاص إليها .
بل هي حقيقة الإخلاص ، بل هي نفس الإسلام . فإنّه الاستسلام بالذّلّ والحبّ والطّاعة للّه . فمن لا محبّة له لا إسلام له البتّة . بل هي حقيقة شهادة أن لا إله إلّا اللّه .
فإنّ « الإله » هو الّذي يألهه العباد حبّا وذلّا ، وخوفا ورجاء ، وتعظيما وطاعة له ، بمعنى « مألوه » وهو الّذي