تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص ) — صفحة 387

مساهمون:

ص٣٨٧
وهكذا فقد كانت غزوة تبوك استجابة إيمانية لفريضة الجهاد حيث كان الروم أقرب الناس إلى ديار الإسلام ولذلك فإنهم أولى الناس بالدعوة . « 1 » وقد قال تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ
« 2 » ، وهكذا ، فبعد القضاء على الوثنية في جزيرة العرب ، وإجلاء يهود من المدينة وغيرها ، كان على المسلمين أن يقاتلوا أهل الكتاب من النصارى الذين كانوا يقطنون على المشارف الشمالية الغربية من جزيرة العرب ، حيث كانت المنطقة التي توجه إليها الرسول في هذه الغزوة من ديار قضاعة وهي خاضعة لسلطان الإمبراطورية البيزنطية ( الروم ) . ولقد دعا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم الصحابة إلى الإنفاق على هذه الغزوة نظرا لكثرة المشاركين فيها ، وبعد المسافة التي كان على الجيش أن يقطعها ، ووعد المنفقين بعظيم الأجر من اللّه سبحانه وتعالى ، فسارع أغلب الصحابة إلى المشاركة في توفير الأموال المطلوبة كل حسب مقدرته ، وكان عثمان بن عفان أكثر المنفقين على جيش العسرة استجابة لقول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « من جهّز جيش العسرة فله الجنّة » ، وتواترت الأخبار الصحيحة بأن عثمان بن عفان قد تحمل نفقات جيش العسرة ، فلقد سارع بتقديم ألف دينار في بداية الاستعدادات صبها في حجر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « 3 » كما قدم أموالا أخرى تتمثل في الجمال والعدد التي يحتاج إليها في نقل الجيش والحرب « 4 » . وساهم عبد الرحمن بن عوف في تحمل قسط من نفقات الجيش حين قدم نصف أمواله حينذاك وبلغت مساهمته في حدود ألفي درهم « 5 » . كما قدم عمر بن الخطاب مائة أوقية « 6 » ، ولا شك في أن عددا آخر من الصحابة قد ساهموا في تغطية بقية النفقات كل على قدر طاقته ، والدليل على ذلك أن فقراء المسلمين قدموا ما قدروا عليه من النفقة ، رغم بساطته وقلته ، على استحياء منهم فقد جاء أحدهم بصاع من تمر ، وجاء آخر بنصف صاع منه ، مما عرضهم لسخرية ولمز المنافقين ، فأنزل اللّه تعالى قوله الكريم :
الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ
« 7 » . ولا شك في أن المنافقين كانوا يتهمون أغنياء المسلمين بالرياء ، في نفس الوقت الذي يسخرون فيه من صدقة الفقراء ، وكان علبة بن زيد ، وهو من البكائين ، واحدا من سبعة رجال من المسلمين الذين أرادوا المشاركة في الغزوة وطلبوا من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يجد لهم ما يحملهم عليه ، فلم يجد فتولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألّا يجدوا
هامش
( 1 ) يقول الحافظ ابن حجر « فعزم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على قتال الروم ، لأنهم أقرب الناس إليه وأولى الناس بالدعوة لقربهم إلى الإسلام وأهله » ( البداية والنهاية 2 / 5 ) . ( 2 ) القرآن الكريم - سورة التوبة ، الآية / 123 ، وانظر الطبري - التفسير 11 / 71 . ( 3 ) البخاري - الصحيح 4 / 11 ( كتاب الوصايا ) ، فتح الباري 5 / 306 ، أحمد - المسند 5 / 53 . ( 4 ) الترمذي - السنن 13 / 153 - 154 ، الحاكم - المستدرك 3 / 102 . ( 5 ) الطبري - التفسير 10 / 191 - 196 . ( 6 ) ابن عساكر - تاريخ دمشق 1 / 408 - 409 ، وانظر الترمذي - السنن 9 / 277 . ( 7 ) القرآن الكريم - سورة التوبة ، آية ( 79 ) ، وانظر : البخاري - الصحيح ( فتح الباري ، حديث 4668 ) .