وأكد شعراء المديح النبوي أنهم لا يطلبون من مديحهم إلا وجه اللّه تعالى ، وأن مديحهم هذا قد رفعهم إلى مكانة سامية ، فقال الطرائفي « 1 » :
مديح رسول اللّه أشرف مدحة * إلّا أنّه الهادي الشّفيع المعظّم « 2 »
وقال أيضا :
علوت مقاما بامتداحي لسيّدي * وعلّقت آمالي بتلك المطامع « 3 »
وقد مدح الشعراء الرسول المختار بإظهار صفاته الكريمة وشمائله الطيبة ، ومكانته السامية ، وأفعاله الميمونة ، وكان حيا بينهم ، لكن مدحه صلّى اللّه عليه وسلّم لم ينقطع بموته ، فظل الشعراء يمدحونه إلى يومنا هذا ، وكأنه حي يسمع ويجزي ، ولم يسم هذا المديح رثاء أو ما يشابه الرثاء .
والسبب في ذلك أن الأدباء خلطوا بين المديح والرثاء ، فقالوا : إن الرثاء مدح للميت ، ولم يفرق ابن رشيق بين المديح والرثاء إلا بالقرينة ، فقال : « ليس بين الرثاء والمدح فرق ، إلا أنه يخلط بالرثاء شيء يدل على أن المقصود به ميت ، مثل - كان - أو - عدمنا به كيت وكيت - وما يشاكل هذا ليعلم أنه ميت » « 4 » .
وهذا الفهم للمديح والرثاء يعني أن الرثاء فرع من المديح ، وأنه تطور عنه ، لكنه لا يقدّم تفسيرا للحرقة واللوعة والحزن ، أو البكاء والنحيب ، ولا يقتضي التفجع وإظهار الأسى .
هامش
( 1 ) الطرائفي : جمال الدين عبد الكريم بن ضرغام ، من أدباء النصف الثاني من القرن التاسع الهجري ، له ديوان ( أبكار الأفكار في مدح النبي المختار ) . سركيس : معجم المطبوعات العربية 7 / 1234 .
( 2 ) الطرائفي : نفح الطيب في مدح الحبيب ص 50 .
( 3 ) المصدر نفسه : ص 51 .
( 4 ) ابن رشيق : العمدة 2 / 147 .