أما نسيم الصبا فهو واش نمّام ، يذيع سر الروض عندما يحمل رائحته ، والماء متملق في لقائه مع النسيم ، فعناصر الطبيعة كلها تشعر وتعقل ، وكلها لها علاقات إنسانية فيما بينها ، والصنعة البديعية تلون ذلك كله بألوان فاقعة ، هي غير ألوان الطبيعة الحقيقة .
صحيح أن إضفاء المشاعر البشرية على عناصر الطبيعة و ( أنسنتها ) من أرقى طرق التعبير الأدبي ، وهذا ما يحمد للشاعر ، ولكن طريقة أداء ذلك أفسدته فنون البديع أو كادت .
فالصنعة لا تفارقه حين ينظم شعره ، وهذا ديدنه وديدن كثير من شعراء عصره ، يرون الصنعة البديعية الفن الذي ما بعده فن ، وهذا ما يظهر عند ابن الموصلي في مدحة نبوية ، يبدي فيها ولعه بالجناس وبأنواعه المختلفة ، فهو يقول :
يمناه ما صفحت لسائل منحا * وكم عن المذنب الخطّاء قد صفحت
فكم فدت وودت وأوجلت وجلت * وأوكست وكست وأثبتت ومحت
ودارسا عمّرت وعامرا درّست * ويابسا رحمت وفارسا رمحت
وكم شفت عللا وكم روت غللا * وكم هدت سبلا لولاه ما فتحت « 1 »
فتكلف الجناس ظاهر لا يحتاج إلى بيان ، فهو لم يترك بيتا لم يجانس فيه بطريقة أو بأخرى ، وأتبع الجناس الطباق ، فأكثر منه ، وقد حاف على المعنى في سبيل جناسه وطباقه ، وجانب الدقة في إيراد الألفاظ ليقيم جناسه ، مثلما فعل ابن مليك الحموي حين استخدم الأسماء في التعبير عن مشاعره بتكلف وتصنع ثقيلين في قوله :
سفحت عقيق الدّمع من سفح مقلتي * وبتّ لدى الجرعاء أجرع عبرتي
هامش
( 1 ) الصفدي : الوافي بالوفيات 1 / 266 .